حين نجرّم الفرح

حين نجرّم الفرح!

المغرب اليوم -

حين نجرّم الفرح

بقلم - محمد الرميحي

لماذا يحتقر بعض الناس الموسيقى والغناء؟ ولماذا تحوّل الصوت الجميل، في نظر فئة بعينها، من تعبير إنساني مشروع، إلى موضع شبهة أخلاقية، وخروج عن الملة؟ هذا السؤال لا يتصل بالفن وحده، بل بطبيعة الرؤية إلى الحياة نفسها. فالموقف من الموسيقى، هو في جوهره موقف من الفرح، ومن البهجة، ومن الإنسان، بوصفه كائناً يشعر بالحياة، ويتذوّق قبل أن يُدان.

الثقافة العربية، في أصل تكوينها، لم تكن يوماً ثقافة صامتة. لقد نشأت في فضاء شفهي، وكانت الأذن أداتها الأولى. فالشعر، الذي قيل إنه «ديوان العرب»، لم يكن نصاً مكتوباً يُقرأ في عزلة، بل خطاب يُلقى ويُنشَد، وتُبنى معانيه على الوزن والقافية والتنغيم. البحر الشعري ليس سوى نظام موسيقي، والقافية ليست إلا وعداً سمعياً بالعودة، ولهذا كان العرب يحفظون الشعر، لأنه يُطرب قبل أن يُفهم.

في الجاهلية، لم يكن الغناء عيباً، ولا المغني موضع ازدراء. في الأسواق الكبرى مثل عكاظ، كان الشعراء والمغنون جزءاً من المشهد الثقافي العام. ومع بزوغ الإسلام، لم تُمحَ هذه الظاهرة، بل أُعيد تنظيمها أخلاقياً. عرف المجتمع الإسلامي المبكر الغناء في الأعراس، والدفوف في الأعياد، والصوت الحسن في المناسبات، بوصفه تعبيراً عن الفرح الجماعي، لا خروجاً عن الدين. ولم يكن ذلك استثناءً، بل ممارسة اجتماعية طبيعية.

ومع اتساع الدولة العربية الإسلامية، بلغ الاحتفاء بالموسيقى ذروته. في العصر الأموي، ثم العباسي، أصبحت الموسيقى علماً وفناً. إسحاق الموصلي وإبراهيم الموصلي وزرياب، لم يكونوا مجرد مؤدّين، بل روّاد ذائقة وثقافة، وأدرجت سيرهم. زرياب، على سبيل المثال، لم ينقل الغناء من بغداد إلى الأندلس فقط، بل أسهم في تشكيل نمط حياة كامل، من الموسيقى إلى الملبس وآداب المجالس. كتب الفارابي عن الموسيقى بوصفها علماً قائماً على الرياضيات وعلم النفس، ودرس الكندي أثر النغم في تهذيب الروح.

النفور من الموسيقى، كما نراه اليوم، ليس امتداداً لهذا التراث، بل ظاهرة حديثة، ارتبطت بصعود جماعات الإسلام الحركي. هذه الجماعات لم تتعامل مع الدين باعتباره تجربة روحية وثقافية، بل حوّلته إلى أيديولوجيا تعبئة سياسية. وفي هذا السياق، أصبحت الموسيقى خطراً مزدوجاً، لأنها تُغذّي الفردانية، وتمنح الإنسان لحظة تأمل ذاتي لا تخضع للتوجيه، ولأنها لغة عاطفية، لا يمكن ضبطها بالشعارات. فكان الأسهل هو السخرية من الغناء والمغنين، ثم شيطنتهم.

لكن التاريخ الحديث يكشف زيف هذا الموقف. فالأغنية العربية لعبت دوراً مركزياً في بناء الوجدان الوطني. في مصر، شكّلت أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ جزءاً من التعبئة الوطنية في لحظات مفصلية، من مقاومة العدوان الثلاثي إلى حرب أكتوبر. وفي المشرق، ارتبط صوت فيروز بالهوية اللبنانية، حتى في زمن الحرب، بوصفه صوتاً يوحّد ولا يفرّق.

أما في الخليج العربي، فقد أدّت الأغنية دوراً لا يقل أهمية. الأغنية الوطنية في الكويت بعد الاستقلال، وفي الإمارات مع قيام الاتحاد، لم تكن زينة إعلامية، بل تعبير عن شعور جماعي بالانتماء. الأغنية الخليجية الحديثة جمعت بين التراث البحري والبدوي، والتعبير الوطني، ورسّخت فكرة أن الدولة ليست جهازاً إدارياً فحسب، بل إحساس مشترك.

إن المجتمعات التي تحتقر الموسيقى، غالباً ما تخشى الحياة نفسها. فهي ترى في الفرح تهديداً، وفي الجمال فتنة، وفي الصوت الحر خروجاً عن الصف. لكن التجربة الإنسانية تقول العكس، المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف من الغناء، لأنها تعرف أن الفن لا يهدم القيم، بل يكشف زيفها حين تكون زائفة. والموسيقى، في نهاية الأمر، ليست نقيض العقل ولا عدو الأخلاق، بل إحدى الطرق التي عبّر بها الإنسان العربي، عبر تاريخه الطويل، عن حزنه وفرحه، وعن وطنه، وعن نفسه.ِ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين نجرّم الفرح حين نجرّم الفرح



GMT 16:50 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

عن جدليّة الأخلاق ومسارات التاريخ

GMT 12:11 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تسعون عاما على «الضيف»

GMT 12:08 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

رندة أبو العزم.. سيدة الشاشة الإخبارية

GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 08:13 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 17:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض
المغرب اليوم - تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 20:33 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 12:22 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

رئيس برشلونة يُبرِّئ "ريال مدريد" من تشويه الـ"VAR"

GMT 00:30 2024 الخميس ,01 شباط / فبراير

تراجع أسعار النفط مع تعثر الاقتصاد الصيني

GMT 11:41 2019 الثلاثاء ,12 آذار/ مارس

الشمبانزي "يختصر كلامه لـ2000 إيمائة تشبه البشر

GMT 17:35 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أرخص 5 سيارات في مصر خلال عام 2018

GMT 20:18 2016 الثلاثاء ,13 أيلول / سبتمبر

وصفات من الطب البديل لعلاج الإمساك المزمن

GMT 16:05 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مقاييس التساقطات المطرية المسجلة بالمملكة المغربية

GMT 07:34 2021 السبت ,10 تموز / يوليو

سيارة صينية أنيقة واقتصادية تكتسح الأسواق

GMT 15:48 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أول تعليق لهدى سعد بعد تداول خبر طلاقها

GMT 16:31 2020 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

مفاوضات مع أمير كرارة لبطولة مسلسل من 8 حلقات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib