بقلم : أمينة خيري
فى المتحف، رأيت عظمة على عظمة. الزحام يصيبنى باختناق، لكن هذا الزحام وهذه الجموع نزلت برداً وسلاماً على قلبى. أعداد غفيرة من المصريين، أهالى يصطحبون أطفالهم من أعمار مختلفة، مجموعات من المراهقين والشباب جاءوا لقضاء اليوم، وحشود السياح من كل الجنسيات فى كل ركن من أركان المتحف المصرى العظيم.
كلمة «عظمة» وكل تصريفاتها سمة اليوم وعنوان المكان. «المتحف المصرى العظيم» أعاد لمصر قدراً من مكانتها التى تستحقها. هذه القطع الأثرية، وهذا العدد منها كفيلان بجعل أى مكان عظيماً، لكن المتحف المصرى العظيم، بموقعه، وتصميمه، واحتوائه على كل ما يجب توافره فى متحف ينتمى إلى القرن الـ21 بأناقة ورقى وحداثة لا تصطدم بالمعروض من إحدى أقدم حضارات التاريخ، بل تكملها وتتناغم معها بالفعل عظمة على عظمة.
ملاحظاتى أغلبها اجتماعية وثقافية. أسردها من باب السعى للأفضل، والمؤكد أن أغلبنا «حُرِم» من ميزة التعرض لثقافات وأشكال وأعراق وثقافات مختلفة. أغلبنا -لا سيما الأجيال التى خرجت إلى النور منذ التسعينات- تعتقد أن كل من لا يرتدى ملابسنا، أو يتصرف مثلنا، أو ملامحه ليست صورة طبق الأصل منا هو شخص غريب يستحق أن نمعن النظر فيه، ونفصصه تفصيصاً، ولا مانع من أن نقترب منه ونلمسه، ليس بالضرورة بغرض التحرش، ولكن من باب حب الاستطلاع، مع العلم أن إمعان النظر فى الآخرين أمر بالغ السخافة.
التحديق فى آخرين، حتى لو كانوا يرتدون ملابس لم نعتدها سلوك اجتماعى مرفوض، وتعتبره ثقافات عديدة علامة على عدم الاحترام، وانتهاك الخصوصية.
الصوت العالى آفة، وهى آخذة فى التفاقم بيننا. التواصل بين موظفين يفصل بينهما بضعة أمتار عبر الصياح، أو إطلاق العنان للحناجر لننادى بعضنا البعض، أو الزعيق لتبادل القفشات والتعليقات عن «الولية اللى لابسة كذا» أو «بص الراجل ماشى مع الولية إزاى»، أو الحديث فى «الموبايل» بعلو الصوت، وحتى رنات الهواتف الزاعقة التى تترك لتصدح فى أرجاء المكان، وغيرها سلوك صوتى ضوضائى غير مرحب به، وينتقص من المكان.
الإصرار على التقاط الصور مع السياح رغم اعتذارهم، أو التقاط الصور لهم رغم أنوفهم، واعتبار النجاح فى التقاط صورة للسائحة التى رفضت التصوير فتحاً عظيماً وغزوة مباركة، أمر يحتاج مراجعة سلوكية أيضاً.
ما سبق وغير ذلك من السلوكيات التى تؤكد أن «سنتر» الدروس الخصوصية لا يربى أو يزرع قيماً وقواعد وسلوكيات محترمة، تحتاج أن تدمج فى المناهج التعليمية، والمحتوى الإعلامى والدرامى، بطرق مباشرة وغير مباشرة، وأتمنى ألا يكون حلها فتح المزيد من الكتاتيب.
مصر بلد سياحى من الطراز الأول العظيم الفريد الذى لا يتكرر. مصر بلد لا يحصل على نصيبه، أو حتى ربع نصيبه العادل من حركة السياحة. مصر لن تقوم لها قومة سياحية حقيقية مستدامة إلا باكتمال أركان المنظومة بأن نعى جميعاً أن السياحة فيها خير اقتصادى وسياسى وثقافى لنا، وأن جزءاً لا يتجزأ من سمعة مصر يكمن فى الصورة التى يكونها السائح عن الشعب، لا الآثار والشواطئ والفنادق فقط. وأضيف إلى ما سبق أن الصورة الأولى والأخيرة التى تستقر فى قلب السائح وعقله تتكون فى المطار. مرة أخرى، الزعيق، والوجوه العابسة، والعيون المحدقة، و«تاكسى يا مستر» بإصرار رغم أنف «المستر»، والخروج من ساحة الانتظار المتحولة أحياناً إلى دوران شبرا العظيم، أو «أرض الجمعية» فى حى إمبابة الأصيل تتحول إلى صورة ذهنية ترتبط بالبلد والشعب.
وبمناسبة الحديث عن البلد والشعب، يحضرنى المثل العبقرى الذى يتطرق إلى الطبخات العظيمة التى «تبوظ» بسبب شوية ملح. تجديد المساجد وبناء المزيد منها أمر عظيم، ولكن ماذا عن «الملح» المكمل والمتمثل فى توعية الناس بأن تلال القمامة تشوه كل هذا البناء والتجديد؟
الطرق والكبارى التى صنعت لمصر بنية تحتية تضاهى أكثر دول العالم تقدماً وتحضراً إنجاز عبقرى، ولكن ماذا عن «الملح» المتمثل فى قواعد القيادة، أو بالأحرى غياب قواعد القيادة الآمنة واعتبار أبجديات السلامة على الطريق رفاهية أو تفاهة.
وهنا، أود الإشارة إلى الخط الثالث لمترو الأنفاق، هذا الصرح المصرى العظيم. لو سألت أى مصرى يعتمد على خطوط المترو فى انتقالاته عن الخط الأفضل من حيث الراحة والنظافة والشعور بالاطمئنان، فسيرد دون تفكير: الخط الثالث. ألا يدعونا ذلك للسؤال عن الفروق بين الخط الثالث من جهة، والخطين الأول والثانى من جهة أخرى؟ أليسوا هم نفس الركاب؟ ونفس الإداريين؟ ونفس العمال؟ ونفس الجهة المسئولة؟ أقول إن الفرق الأكبر والأبرز والأهم يكمن فى الرقابة المستمرة، وتطبيق القانون غير الموسمى فلا تجد باعة جائلين فى داخل العربات، أو فى حرم المحطات، وغيرها. ويعضد ذلك التوعية المستمرة عبر الشاشات والإذاعة الداخلية والموسيقى الهادئة والنظافة المراقبة.
مصر المتحضرة النظيفة الراقية قابلة للتحقيق، فقط تحتاج إلى ضبط زوايا مستدام.