الفيلم السينمائي موديغلياني  وجه جميل يخسر الرهان أمام مكعب
آخر تحديث GMT 12:25:20
المغرب اليوم -

الفيلم السينمائي "موديغلياني" وجه جميل يخسر الرهان أمام مكعب

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - الفيلم السينمائي

الفيلم السينمائي "موديغلياني"
الرباط-المغرب اليوم

"لا جدوى من البحث بعيدا، يكمن مستقبل الفن في وجه جميل"؛ هكذا أعلن الرسام موديغلياني نظريته الفنية في مطعم بداية القرن العشرين بباريس، وذلك في فيلم "موديغلياني" 2003 للمخرج ميك دافيس. كان الرسام فقيرا ولم تكن لوحاته تجد

مشتريا. حينها كشف المخرج الأطروحة المضادة التي يتبناها بيكاسو غريم موديغلياني، بحيث رسم بابلو بيكاسو بارتجال أشكالا تجريدية على ثوب مائدة مطعم وقدمها هدية لصاحب المطعم وهو يقول: أهب عشاء للجميع.

تسلم صاحب المطعم اللوحة وطالب بيكاسو بتوقيعا. فنهره:

ـ قلت سأهب عشاء ولم أقل لك سأشتري مطعمك.

يكفي توقيع بيكاسو لشراء مطعم.

هكذا عبر المخرج عن غلاء لوحات بيكاسو وعن مستقبل أطروحتين فنيتين متناقضتين.

انتهى عهد رسم الوجه الجميل لأن الكاميرا صارت تصوره فورا. لم يدرك موديغلياني (1884-1920) هذا وهو يسخر من التجريدي بيكاسو (1881-1973) قائلا:

كيف تمارس الحب مع مكعب؟

فسأله بيكاسو بدوره:

لماذا تكرهني إلى هذا الحد؟

فأجابه ساخرا: أنا أحبك يا بيكاسو أنا أكره نفسي.

نصف السخرية حقيقة.

جواب يفسر أحقاد الفنانين المتبادلة في لقطة تكشف مدى نجاح موجة رفض الرسم التقليدي. لقطة تكشف الأزمة والحل. فحسب المؤرخ الثقافي العظيم إريك هوبزباوم، فإنه عشية الحرب العالمية الأولى لجأ بعض الرسامين للتجريد بينما وجد غالبيتهم

صعوبة في التخلي عن رسم شيء. (عصر الإمبراطوريات ص 447). كان بيكاسو من الصنف الأول وموديغلياني من الصنف الثاني الذي يمثل الأغلبية التي ترسم الوجوه والأجساد بأسلوب متقادم.

يجري المشهد في باريس، حينها كانت المدينة تسيطر على ثقافة النخبة في العالم ككل وقد تعززت سيطرتها باستقبال المهاجرين المبدعين مثل همينغواي وشاغال وبيكاسو ودالي... وقد زاد نفوذ باريس بعد سيطرة هتلر على برلين وستالين على

موسكو.

كانت الطليعية متغلغلة في وسط وشرق أوروبا، وكان مثقفو المنطقة أكثر قلقا. كان انتصار هتلر وستالين كارثة ثقافية، فقد تسببا في اختفاء بلديهما من المشهد الثقافي بعد عشرينات القرن العشرين. وكان ذلك في صالح باريس ثم نيويورك. (الفصل

السادس من كتاب عصر التطرفات)
.
في الفيلم وجه جميل يخسر الرهان أمام مكعب حاد. هذان هما الخطان الفنيان في بداية القرن العشرين في باريس. كان اختراع الكاميرا والسينما في القرن التاسع عشر قد هز عرش الرسم التقليدي كما عبر عن ذلك تورنر. لذلك كان بيكاسو مجبرا

على البحث عن أسلوب ومقاربة جديدة بعيدا عن محاولة استرجاع ما أخذته الكاميرا من الرسامين. وكانت نتيجة ذلك البحث هي "الإبداع، أي الخلق على غير مثال"، حسب كروتشه.

شخصية الفنان

على الصعيد الشخصي، ليس بإمكان كل موهبة أن تصمد وتنجح. لقد رسم موديغلياني شابة ووقع في غرامها. يحتاج الحب ولا يطيق أعباء الحياة الزوجية. الخمر والزواج يدمران الإبداع. من جهته رسم بيكاسو لوحات كثيرة عن علاقة الرسام

والموديل الذي يرسمه. يلمح إلى أن علاقة الرسام مع موديله تتطور لتصير عاطفية. بينما موديل بيكاسو مكعب. بارد حاد وصادم. في لوحات بيكاسو حجم نهود النساء أكبر من رؤوسهن.

يعرض الفيلم غرور الفنان وبؤسه. يمثل موديغلياني نموذجا دونكيشوتيا لانهيار الفنان البوهيمي غير الآبه بقوانين السوق التي صارت تتحكم في الفن. يقارن البوهيمي البئيس نفسه بالذين يبيعون لوحاتهم ويثرون ويشعر بالمهانة. وقد أدى أندي

غارسيا في دور الوسيم الإيطالي موديغلياني بمهارة مدهشة.

يتطلب الإبداع طاقة رهيبة، لذلك لا بد من تنظيم وعزلة واشتغال لوقت طويل. يهرب الرسام من الحياة الزوجية والأطفال والروتين والمتاعب، يركز على الجسد لجلب الأنظار، لكنه منع من عرض لوحات النساء العاريات. وهذا غريب في باريس

حتى إنه سبق لإميل زولا أن علق على الضجة بصدد لوحة إدوارد ماني "غذاء على العشب" 1863، استغرب إميل زولا من تنديد الجمهور بالمرأة العارية بينما يعرض متحف اللوفر أكثر من خمسين لوحة فيها نساء عاريات.

لا أحد يبحث عن الفضيحة في متحف. يجري البحث عن الفضيحة الآنية.

يمثل موديغلياني نموذجا لفنانين في منعطف تاريخي يواجهون أزمة اقتصادية ومنافسة شرسة لإثبات الذات، وهذا مدمر للأعصاب. ويحاول الفيلم تفسير أزمات الرسام الصحية والعاطفية والإبداعية بماضيه، بطفولته، بديانته.

يهدر البوهيمي وقته في الشرب وهو مدن يدمر ذاته، يدمر جسده وهو آلة العمل للتفوق. بينما بيكاسو يعمل ويبيع وترتفع معنوياته ويزيد دخله ويتعمق بحثه ويبدع لوحات أفضل ويبيع أكثر.

في فضاء ثقافي حداثي خرج الفنان من رعاية النبلاء وعليه أن ينجح في سوق الفن. السوق برجوازية تستهلك الفن وتدفع له بسخاء. لم يعد النزاع في صالون أو جريدة، إنه يجري في ساحة كبيرة تتطلب لياقة ثقافية عالية وموهبة رهيبة للصمود في

المجال. في هذه الأوضاع ليس في صالح الفنان أن ينهك نفسه في مقارعة أشباهه، من الأفضل أن يركز على جمهوره.

يحمل الفيلم اسم "موديغلياني"، لكن بيكاسو يحضر في نصفه تقريبا. السبب؟ يصعب إنجاز فيلم عن بيكاسو الحازم. كان موديغلياني فضائحيا مدهشا ساحرا كشخص، لكنه كفنان لم يدرك التحولات التي تجري حوله. يقدم الفيلم صورة سلبية لبيكاسو

الجشع، لكن المهم بالنسبة للفنان هو أثره الفني وليس طيبته الزائدة. الطيبة مفيدة في العلاقات العامة فقط. قديما قيل "إن أعذب الشعر أكذبه".

عصر الفنان

على صعيد تاريخ الفن، وحسب ديفيد هوبكنز في كتابه "الدادائية والسريالية"، لقد غيرت الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية فهم الناس لعوالمهم على نحو جذري، والعينة الأفضل للتغيير هي المقارنة بين لوحتي "نساء الجزائر" ليوجين دولاكروا

وبابلو بيكاسو. هناك مسافة أسلوبية رهيبة بين اللوحتين. وتفسير التحول هو أن الحداثة الفنية تقطع مع الإلهام المعياري للماضي. إنها في تقدم دائم. وقد انتقلت عدوى التقدم إلى الفن الذي صار طليعيا. والطليعة مفهوم عسكري يشير إلى الفرقة

الاستطلاعية التي تستكشف الطريق قبل تقدم الجيش.

انتشرت التكعيبية (التي تقدم أشكالا ثلاثية الأبعاد) وكذا السريالية، وهذان اتجاهان فنيان حديثان لا يستنسخان المشهد والبورتريه لأن الفن السوريالي "يقدم تحريفا جذريا للواقع"، حسب كاتي ويلز في "معجم الأسلوبية". تحريف يجعل المألوف غير

مألوف، وبذلك تجبر الاستعارات الحية المتلقي على النظر للموضوعات اليومية بعين أخرى. كانت التكعيبية في الوقت نفسه رفضا وانتقادا لفن الرسم في القرن التاسع عشر، بل وهي أيضا بديل له. وهي نموذج للعدمية الفنية المتعمدة كما أثبتت

الدادائية.

هكذا "صنعت الحداثة طفرة في طريقة تأويل العالم. غيرت النظرة إلى ما يجري. أزالت الأسطورة وسهلت اكتشاف وتعرية الذات"، حسب مارتن هيدغر.

من هذا المنظور، فإن فيلم "موديغلياني" هو عمل فني ووثيقة تاريخية. فحسب هابزباوم، عانى الرسامون طويلا من عجز الأساليب القديمة عن تمثيل الواقع الخارجي ومشاعرهم الخاصة. حدثت قطيعة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن

العشرين بين 1900 و1910. بعدها حصل ثوريو الفنون البصرية من انطباعيين وما بعد انطباعيين على الاعتراف، فنظر بتقدير كبير في 1914 لما اعتبر منحطا في 1870.

جرى التركيز على اللون والضوء وتفكيك العناصر في الطليعية التجريبية (مثل التكعيبية) التي لم تلق الترحيب في أوساط الجمهور العريض، لكن روادها كانوا واثقين أن المستقبل لهم.

كان المستقبل لبيكاسو

وقد تعززت هذه الثقة بإقبال تجار الفن الأمريكيين الذين كانوا يشترون اللوحات بعد الحرب العالمية الأولى ممهدين الطريق لنقل مركز الفن العالمي من باريس إلى نيويورك.

وبجانب التكعيبية، انتشرت السريالية لأنها ركزت على الفنون البصرية غير المرهونة بحواجز اللغة، مثل الرسم والباليه والنحت والسينما. تم اعتماد الكولاج لمزج الصورة والكتابة وأشياء دالة على فضاء اللوحة. وقد كتب الشاعر لويس أراغون عن

الكولاج.

كان الكولاج في التشكيل هو شقيق المونتاج في السينما، ويمثل الفيلم القصير "كلب أندلسي"، الذي اشترك فيه لويس بونويل وسلفادور دالي، نموذجا لثورة الفن الحديث. في الفيلم مشاهد لا صلة سردية بينها، ومن أشهرها مشهد كابوس رجل يخرج

النمل من ثقب في كفه ويجر بيانو فوقه حمار ميت.

كان الفيلم رد فعل ضد تقاليد السينما الروائية. الأهم كان ثورة أسلوبية ربط الكولاج بالمونتاج.

 

قد يهمك أيضا :

وكيل أعمال سعد لمجرد ينفي طرح "المعلّم" أي عمل فني خلال الأيام المقبلة


شيخ سلفي يهاجم وزارة الأوقاف في المغرب بسبب عمل فني

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيلم السينمائي موديغلياني  وجه جميل يخسر الرهان أمام مكعب الفيلم السينمائي موديغلياني  وجه جميل يخسر الرهان أمام مكعب



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib