البطة العرجاء

البطة العرجاء

المغرب اليوم -

البطة العرجاء

بقلم : توفيق بو عشرين

ماذا لو كانت بطة سليمة تمشي وتجري وتطير؟ ماذا لو لم تكن بطة مقيدة أو عرجاء؟ ماذا كانت ستفعل بالسياسيين وكبار الصناعيين وأصحاب المال والأعمال؟ هكذا يتندر الفرنسيون هذه الأيام بشأن مرشح اليمين القوي، فرانسوا فيون، الذي سقط بين مخالب البطة العرجاء، والمقصود هنا الجريدة الأسبوعية الساخرة le canard enchaîné، التي بعثرت أوراق كل المرشحين للرئاسة الفرنسية، على بعد أقل من ثلاثة أشهر من الانتخابات. المجلة، التي تأسست في 10 شتنبر 1915، وصلت إلى الصفحة السوداء من حياة المرشح الرئاسي فرانسوا فيون، والذي قدم نفسه لجمهور اليمين على أنه أنظف سياسي في فرنسا، وأن يده بيضاء كالحليب. البطة الحرة، رغم قيودها، زلزلت بيت اليمين الفرنسي الذي كان يستعد لتسلم مفاتيح قصر الإليزي، بعدما أعطته كل استطلاعات الرأي تقدما كبيرا على مرشحي اليسار. تحقيق من صفحة واحدة كان كافيا ليذيب 18٪‏ من شعبية فيون، بعدما نشرت المجلة تفاصيل حصول زوجته بينيلوب على أكثر من 800 ألف أورو عن مهام وهمية لم تقم بها إلى جانب زوجها أيام كان برلمانيا، أي أن مادام فيون كانت، ولسنوات، موظفة شبحا في البرلمان الفرنسي، ولم تقم بأي وظيفة تستحق عليها أكثر من 6000 أورو في الشهر من جيوب دافعي الضرائب، غير الاعتناء بأولاد فيون وشؤون بيت العائلة.

ولأن الفضيحة انفجرت في فرنسا، ولأن القضاء له عيون وآذان يرى ويسمع بها ما يدور في الصحافة والإعلام، فإن النيابة العامة قررت فتح تحقيق في النازلة، وزار محققوها مكتب فيون في البرلمان، ولم يعثروا على أي أثر لعمل زوجة المرشح للرئاسة الفرنسية، ولا حتى إيميلات منها إلى عنوان المكتب. لا شيء يدل على أنها كانت تقدم خدمة تستحق عليها أجرة كبيرة. فيون امتنع في البداية عن التعليق حتى يرى إلى أي حد تمتلك البطة العرجاء معلومات وملفات أخرى، ثم بدأ يجرب اللعبة المفضلة عند كل السياسيين، وهي تسييس القضية، واتهام الصحيفة بأنها مسخرة من جهات منافسة لاغتيال المرشح الفرنسي الأوفر حظا، ثم لما لم تنجح الخطة، وبدأ الفرنسيون يتساءلون ما إذا المعلومات التي نشرت صحيحة أم لا؟ أما توظيفها أو مصدرها أو من يقف خلفها أو توقيت نشرها فهذا لا يهم، فخرج فيون وقال إن زوجته كانت تراجع خطبه قبل إلقائها! هنا ضحك منه الجميع، حتى وسط حزبه، وقالوا له: «هل هناك موظف يراجع خطابا أو اثنين في الشهر بـ6000 أورو؟!».

ولأن أول ما يفقده السياسيون هو الذاكرة، فإن فيون نسي أن زوجته بينيلوب سبقت وصرحت لجريدة «الديلي تيليغراف» البريطانية، في 2007، عقب تعيين فرانسوا فيون رئيسا للوزراء، قائلة بالحرف: «لم أكن يوما مساعدة لزوجي، ولم أكن يوما ضمن فريق الاتصال لديه»، وأضافت بينيلوب: «لقد عرفني أبنائي كمربية فقط». وهي تصريحات فسرتها وسائل الإعلام الفرنسية بأنها اعتراف لا لبس فيه، وأن بينيلوب فيون لم تشتغل يوما إلى جانب زوجها.

في اجتماع لقادة الحزب، قال فيون إن هناك من يريد سرقة الرئاسة من الحزب، وإن العملية وراءها اليسار وجهات عليا -يقصد الرئيس فرانسوا هولاند- وإنه يحتاج إلى 15 يوما ليقرر بشأن مصير ترشحه للرئاسة.

لكن كل هذا لم يمنع القضاء من مباشرة عمله، ولم يمنع الصحافة من إكمال التحقيق والنبش في حديقة فيون، الذي لم يكن يتوقع أن يجد البطة العرجاء تنتظره في أول منعطف، وتحت إبطها ملف زوجته التي تقاضت أموالا من جيوب دافعي الضرائب، فيما زوجها يقدم الدروس في نظافة اليد، ويعد الفرنسيين بتطهير السياسة من سلطة المال والإدارة من الامتيازات.

ذكرني كل هذا المسلسل المشوق، الذي لن ينتهي قبل أن ينهي آمال فيون في دخول قصر الإليزي حسب ما أتوقعه، بمسلسل آخر كانت جريدة «أخبار اليوم» طرفا فيه سنة 2013، يوم نشرت فضيحة بريمات مزوار وبنسودة في وزارة المالية بالوثائق والأدلة، فماذا جرى؟ لم يحرك القضاء ساكنا، بل، بالعكس، رفضت النيابة العامة أوامر وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، بالتحقيق في النازلة، وانهالت على رؤوسنا الاتهامات الباطلة بأننا ننشر أوراقا مسربة من الإدارة، وأن هذه الأوراق تعتبر أسرار دولة، ولم يعد السؤال هو: هل تقاضي مزوار، وهو وزير للمالية، 90 ألف درهم شهريا «بريم» من مرؤوسه خازن المملكة، نور الدين بنسودة، قانوني أك لا؟ وإذا كان قانونيا، فلماذا يخفيه عن الأنظار ولا ينشر للعموم؟ وبأي مبرر يأخذ بنسودة «بريم» بـ100 ألف درهم بتوقيع مزوار، يومين بعد توقيع بنسودة لوزيره؟

بعد أسبوعين من الفضيحة، تحركت النيابة العامة، لكن في الاتجاه الخطأ تماما، فجرى استدعاء مهندسين إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ووجهت إليهما تهمة خرق السر المهني وتسريب الوثائق إلى الجريدة، واعتمد المحققون على مكالمات هاتفية بين أحد المهندسين وكاتب هذه السطور، وجرى دفعهما إلى القاضي المسكين، الذي لم يجد بدا من إدانة أحدهما وتبرئة الآخر، لكنه ظل، طوال الجلسات، حائرا بشأن الأساس القانوني الذي سيتابع به الماثلين أمامه، وعن الطريق الذي سلكه هذا الملف حتى جاء بين يديه.

انتهت القصة نهاية سعيدة بالنسبة إلى أصحاب البريمات.. مزوار ترقى وأصبح وزيرا للخارجية والتعاون بعدما دخل الحكومة، وبنسودة بقي في مكتبه، وزادت سلطته على مديرية الخزينة، لأن الإدارة فهت الإشارة من وراء تثبيته، فيما انهالت المطرقة على الجريدة وفوق مدير نشرها، والرسالة واضحة: لا لصحافة التحقيق في هذه البلاد، ولا يمكن للدولة أن تتسامح مع صحافيين يحولون الإعلام إلى سلطة رابعة. هنا في المملكة الشريفة كل البط حر طليق، لكنه يعرف جيدا الخطوط الحمراء، ويعرف أين يحط وأين يبتعد. أيها الصحافي النموذجي، يمكنك أن تكتب عن أعطاب المجتمع لا أعطاب الدولة، يمكنك أن تكتب عن أحوال الطقس وأخبار الجريمة وجديد الرياضة وأعراض زملائك، يمكنك أن تسب بنكيران ليل نهار لأنه منتخب، ولأنه لا يوزع إشهارات «أكوى»، يمكنك أن تكتب عن السياسيين عندما يصيرون خصوما للسلطة، لا عندما ينامون في حجرها، ويأكلون من مائدتها، ويسافرون في طائراتها.

المصدر :جريدة اليوم 24

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البطة العرجاء البطة العرجاء



GMT 06:02 2018 الأحد ,25 شباط / فبراير

حان وقت الطلاق

GMT 07:26 2018 الجمعة ,23 شباط / فبراير

سلطة المال ومال السلطة

GMT 06:39 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

لا يصلح العطار ما أفسده الزمن

GMT 05:46 2018 الأربعاء ,21 شباط / فبراير

الطنز الدبلوماسي

GMT 05:24 2018 الثلاثاء ,20 شباط / فبراير

القرصان ينتقد الربان..

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 04:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
المغرب اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
المغرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 15:09 2021 السبت ,03 تموز / يوليو

هاميلتون يمدد عقده مع مرسيدس

GMT 01:01 2021 الأربعاء ,24 شباط / فبراير

المغرب يسجل 446 إصابة و15 وفاة جديدة بفيروس كورونا

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 16:16 2020 الأربعاء ,27 أيار / مايو

الترجي التونسي يعود للتدريبات بعد أزمة كورونا

GMT 02:19 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

نصائح سريعة لترتيب غرفة الغسيل

GMT 03:16 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق طبيعية لتعطير المنزل في الأعياد

GMT 00:17 2017 الجمعة ,23 حزيران / يونيو

حسين معرفي يستقيل من إدارة النادي العربي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib