حكمة جحا مازالت صالحة إلى اليوم

حكمة جحا مازالت صالحة إلى اليوم

المغرب اليوم -

حكمة جحا مازالت صالحة إلى اليوم

بقلم - توفيق بو عشرين

تروي الحكاية أن هارون الرشيد إمبراطور الدولة العباسية غضب يوما من جحا زمانه، فعاقبه بطرده ليس فقط، من القصر، حيث كان جزءا من حاشية أمير المؤمنين، بل قرر الأخير طرده من بغداد كلها، فما كان من جحا إلا أن جمع أغراضه وجاء بحمار عليه (شواري) وبدأ يضع أغراضه في جهة دون أخرى من الشواري، فأطلت عليه زوجة الخليفة زبيدة، وقالت له: ماذا تفعل يا جحا؟ قال أحمل أغراضي للرحيل، ألم تسمعي بقرار زوجك أبو جعفر بطردي من القصر والمدينة، قالت بلى، ولكنك جعلت كل أغراضك في جهة دون أخرى فوق ظهر الحمار، وهذا سيفقده التوازن وسيسقط المتاع في الأخير، رفع عينه فيها وقال: يا مولاتي هذا ما قلناه لزوجك فطردنا من القصر ومن المدينة…

التوازن في حياة الفرد كما في حياة الدول هو سر الاستقرار والنجاح، والتطور والعدل ورضا كل واحد بما عنده.. أما عندما يختل الميزان ويضيع التوازن، فإن باب الشرور يُفتح على مصراعيه…
الشعار الثاني للمملكة المغربية بعد التاج الذي يحرسه أسدان، هو الميزان المائل، والتوازن المختل، في كل صغيرة وكبيرة. في الدستور هناك ميزان مختل، وفِي الحياة السياسية هناك ميزان مختل، وفِي الإدارة هناك ميزان مختل، وفِي القضاء هناك ميزان مائل، وفِي الحياة الاقتصادية هناك ميزان أعوج، وفِي الحياة الاجتماعية هناك ميزان راجح لكفة دون أخرى، وفِي منظومة القانون هناك ميزان مختل، وفِي الأسرة هناك ميزان مختل، وكذلك الأمر في المدرسة والجامعة والمعمل والشركة والحكومة والبرلمان، حتى في البيئة هناك موازين مختلة…

هذه الاختلالات في كل تفاصيل حياة المغربي قديمة، أو كما قال السلطان مولاي حفيظ (داء العطب قديم في المغرب)، لكن الجديد فيها أمران: الأول أن هذه الاختلالات تزيد كل يوم ولا تنقص، لأن أسلوب إدارة الدولة ينتج كل يوم عدم التوازن بين السلطة والمواطن، بين القوي والضعيف، بين الغني والفقير، بين البوادي والمدن، بين الأحياء الراقية والحارات الشعبية… أما الأمر الثاني، فهو أن صبر الناس قل، وتطلعات الشباب زادت، والخوف في النفوس يتلاشى يوما بعد آخر من عصا السلطة، وكل هذا يخلق توترات ظاهرة وخفية بين السلطة والمجتمع، وما نراه في الريف اليوم، من (تمرد اجتماعي) أكمل سنته الأولى، سوى دليل على عدم القبول بواقع اللا توازن في الحياة العامة، ومعه نرى فشل الحكم في احتواء هذه الموجة الجديدة من الحراك الاجتماعي، سواء بالإقناع أو بالقمع أو بالمحاكمات أو بالوعود…

عندما تصبح الدولة عاجزة عن حل مشاكل صغيرة أو متوسطة يبدأ المواطنون في وضع يدهم على قلوبهم، وبعضهم في التفكير بالنجاة الفردية من السفينة عندما تبدأ بالغرق، لهذا نرى عشرات الآلاف من المواطنين أغنياء وفقراء، متعلمين وأميين، أصحاب مهن وعاطلين، يفرون خارج البلد، في هجرة قسرية إلى أوروبا أو كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية. ففي سنة واحدة التحق بألمانيا وحدها أكثر من 20 ألف مغربي سافروا من الدار البيضاء إلى تركيا ومنها إلى اليونان وصولا إلى ألمانيا سيرًا على الأقدام، حيث تسللوا وسط اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان الفارين من جحيم الحرب في بلدانهم… ماذا يعني هذا؟

المغرب لا يعطي أملا للعيش في المستقبل، لا للغني ولا للفقير، لا للصغير ولا للكبير، لا للمتعلم ولا للأقل تعلما… نعم، أوضاع المملكة لا تقارن بسوريا والعراق واليمن والصومال ومالي والجزائر وحتى مصر، لكن المغاربة لا يرون في هذه الدول نموذجا، ولا يقارنون بين أحوالهم وأحوال العرب والأفارقة، بل يتطلعون إلى نماذج قريبة منهم جغرافيا وثقافيا وحضاريا، أي أوروبا بالدرجة الأولى، ثم كندا وأمريكا وبعض الدول الأخرى، وهنا تلعب التكنولوجيا دورا هائلا في تقريب المسافات والقفز فوق الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة، لتصير الأحلام متقاربة ونمط العيش متقاربا، والآمال متطابقة بين شباب الشمال الغني والديمقراطي والمستقر وشباب الجنوب الفقير والسلطوي، والذي يعيش في فوضى غير خلاقة…

الطبقة الحاكمة اليوم لا تفكر سوى في الحاضر وفِي التاكتيك، وفِي المناورات الصغيرة، وفِي سياسة تغيير كل شيء حتى لا يتغير شيء، ولا تنشغل بالمستقبل لوضع استراتيجية للنهوض بالبلد، وجعله جذابا ليعيش أبناؤه أولا، وليعيش الآخرون ثانيا. كل صاحب سلطة في البلد يسعى إلى أن يحتفظ بأكبر قدر منها بين يديه، والهدف ليس النهوض بالبلد، بل بمنع الآخرين من اقتسام السلطة معه، وكذلك صاحب المال وصاحب الإدارة وصاحب الجاه. والنتيجة هي أن البلد صار غرفة انتظار كبيرة تسع 34 مليون مغربي، بعضهم ينتظر السفر إلى الخارج عبر هجرة قانونية أو غير قانونية، وبعضهم يئس من الدنيا ويستعد للسفر إلى الآخرة، وبعضهم يراكم المال عله يعصمه من الفوضى، وبعضهم ليس له ما يخسره، يراقب الأزمة ويقول: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حكمة جحا مازالت صالحة إلى اليوم حكمة جحا مازالت صالحة إلى اليوم



GMT 14:15 2024 الأربعاء ,15 أيار / مايو

في ذكرى النكبة..”إسرائيل تلفظ أنفاسها”!

GMT 12:08 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

مشعل الكويت وأملها

GMT 12:02 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

بقاء السوريين في لبنان... ومشروع الفتنة

GMT 11:53 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

“النطنطة” بين الموالاة والمعارضة !

GMT 11:48 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

نتنياهو و«حماس»... إدامة الصراع وتعميقه؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib