الحاكم في عزلته

الحاكم في عزلته

المغرب اليوم -

الحاكم في عزلته

توفيق بو عشرين


الحكم مهنة صعبة ومعقدة، ليس فقط بسبب المخاطر العالية المحيطة بها، ولا بسبب مصائر الناس الموجودة في يد صاحبها، بل لأن الحكم جوهره وأداته هي السلطة، والسلطة تركيبة سحرية معقدة قد تذهب بعقل الحاكم، خاصة إذا كان صاحب سلطة مطلقة. السلطة في العالم الثالث بلا مؤسسات ولا قانون ولا حدود، لهذا فأول ما تفعله أنها تفصل الحاكم عن الواقع، وتضع بينه وبين الحقيقة حجبا كثيرة…
كان مايكل ماير، مراسل «نيوزويك» في أوروبا الشرقية في الثمانينات، آخر صحافي يقابل نيكولاي تشاوشيسكو صيف 1989. وفيما كانت موسكو والمجر وتشيكوسلوفاكيا تزداد انفتاحا، كان ديكتاتور رومانيا يزداد تشدُّدا.. يعيش في عالم لا علاقة له بالحقائق والوقائع. سأله الصحافي الأمريكي ماير: «لماذا محلات بوخارست فارغة من البضائع؟».
أجاب الديكتاتور: «لأن الشعب الروماني يفضل أن يخبئها في المخازن».
سأل الصحافي ثانيا: «أنت، سيدي الرئيس، متهم بعبادة الشخصية».
جواب الحاكم: «ليت العالم الثالث برمَّته يُرزق بعبّاد الذات مثلي!».
سؤال آخر من نيوزويك: «ما رأيك في التجربة الديمقراطية الصاعدة في بولندا والمجر؟».
الديكتاتور: «كارثة يجب وقفها فورا».
ثم لم يعد تشاوشيسكو يرد على الأسئلة الصحفية.. انطلق طوال ساعتين يتحدث عن عظمة التجربة الشيوعية وانهيار الغرب الفاسد. «كان يحرِّك يديه وساعديه، وشفتاه ترتجفان وهو يصرخ. بدا الرجل خاليا من أي حضور أو كاريزما. لم ألتقِ -يقول الصحافي الأمريكي- في حياتي رجلا خاليا من الخصال الإنسانية مثله. كان منقطعا تماما عن الحياة العادية والمشاعر العادية وعن فهم الأشياء».
القذافي بعد أن أمضى 40 سنة يسوس شعبه، سأله أيام الثورة عليه: «من أنتم؟». هو صادق في سؤاله، فهو لا يعرف إلا شعبا خانعا مستكينا، ولما ثار عليه أبناء جلدته لم يعرفهم.. لم ير فيهم إلا جرذانا تستحق أن يطاردها بيت بيت دار دار زنقة زنقة.. لأن القذافي فقد الصلة بالواقع لم يعرف شعبه. بنعلي حالة مماثلة.. حكم البلاد بعصا شرطي طويلة، وعندما خرج التونسيون إلى الشوارع يقولون له: «بنعلي dégage»، صعق من الأمر، ولما قتل المئات عاد وخطب في شعبه قائلا: «راني فهمتكم». طيلة 17 سنة وهو ينتهك أبسط حقوق المواطن. لم يفهم أن القمع لا يصنع شرعية، وأن الاستقرار لا يبنى على الخوف. مبارك حالة أكثر تعقيدا.. جلس 30 سنة على كرسي الحكم حتى تخشب، وما عاد قادرا على الإحساس بما يدور حوله. نصحه كثيرون بأن يعدل عن فكرة توريث الابن حتى وجد نفسه في زنزانة واحدة معه، وبقي مذهولا والنظارات الشمسية لا تفارق عينيه، ولم يعد قادرا على أن يرفع عينيه إلى أعين شعبه.. لكن من يستخلص العبرة؟ الجنرال السيسي يعيد القصة نفسها الآن بإخراج أكثر دموية…
بقدر ما يكون الحاكم المتسلط محاطا بأتباع كثيرين، فإنه يعيش عزلة قاسية.. إنها عزلة السلطة. جل من حول الحاكم يكذب عليه، يخفي الحقائق، يزين القبيح ويقبح الجميل. كل من حول الحاكم يسعى إلى إرضائه، وعدم إغضابه، وإقناعه بأنه دائماً على حق، وأنه يسير أبدا في الطريق الصحيح. بطانة السوء لا تفعل ذلك حبا في زعيمها، بل خوفا على مكانتها، خشية زوال النعيم الذي ترفل فيه بسبب سلطتها، فتصبح السياسة اليومية هي تبرير الفشل وتغطية الأخطاء، وتعظيم الخوف من الشعب ومن المعارضين.
في أواخر أيامه بقصر النيارافان في طهران، استدعى شاه إيران إحسان نراغي، وكان أحد كبار المثقفين في بلاطه، وسأله: «ماذا يجري في البلاد يا إحسان؟ الشعب الذي علمته وربيته وارتقيت به إلى مصاف الدول الغربية يتبع رجل دين من القرون الوسطى. من يكون هذا الخميني الذي تشعل كلماته نفوس الناس، وتدفعهم إلى تخريب البلاد، والتلاعب بالاستقرار وتهديم كل ما بنيته؟». صمت نراغي برهة، كما يحكي في كتابه: «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة»، وقال للشاه: «إن تقارير أجهزة المخابرات لا تقول لجلالتك الحقيقة. البلاد تشهد ثورة يشارك فيها رجال الدين الذين أهانتهم سياساتك، والشيوعيون الذين تجاهلتهم خططك الاقتصادية، والشباب الذي يكره قمع السافاك، ورجال البازار الذين تضرروا في عهدك، والمحافظون الذين لم تراعهم بطانتك. كل هؤلاء يثورون عليك. أنت لا تعرف السبب لأنك سجنت نفسك في التقارير التي ترفع إليك، وسلمت قيادة مملكتك لحفنة من المقربين منك

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحاكم في عزلته الحاكم في عزلته



GMT 11:45 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

غبار الجليد

GMT 11:44 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الخوارزمي مُستاء جداً!

GMT 11:42 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

السنغال و«داحس والغبراء»

GMT 11:40 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

«لو فيغارو»: كيف تسهم الصحف في صياغة التاريخ

GMT 11:39 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مجلس التعاون الخليجي واستقراره ونجاحه

GMT 11:37 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تجارة في السياسة !

GMT 11:35 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

جنينة الحيوان

GMT 11:34 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

موسيقار الصورة.. يوسف شاهين «حدوتة مصرية» لا تعرف الغياب

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 14:45 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

عودة يوسف الشريف بعد غياب 4 سنوات بمسلسل فن الحرب رمضان 2026
المغرب اليوم - عودة يوسف الشريف بعد غياب 4 سنوات بمسلسل فن الحرب رمضان 2026

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 18:23 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 11:09 2022 الأحد ,30 كانون الثاني / يناير

مجموعة من الأفكار لتَزيين المنازل ذات المساحات الصغيرة

GMT 13:46 2019 السبت ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

شرطة دبي تمتلك أغلى أسطول سيارات

GMT 19:11 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 00:28 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

بَدء عرض أولى حلقات مسلسل "عائلة الحاج نعمان" على "osn"

GMT 03:54 2020 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

مذيع في "بي بي سي" يعلن إصابته بفيروس "كورونا"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib