نواف سلام واعتداله بين يمينَين

نواف سلام واعتداله... بين يمينَين

المغرب اليوم -

نواف سلام واعتداله بين يمينَين

بقلم:مصطفى فحص

بين يمينَين لبنانيين، لكلٍّ منهما سرديّته، ومقدّساته، ويقينه، وخلاصه، وحكايته عن الآخر. تناقضاتهما لا تكتفي بالاختلاف، بل تمزّق الجغرافيا وتُلغي التاريخ، بينما يتقاسمان الكيان والصيغة والسلطة. كانت الدولة، حتى وقت قريب، أسيرتهما: إذا تخاصما دفعت الثمن، وإذا تصالحا كانت هي الثمن.

هذان اليمينان ليسا بالضرورة طائفيين، وإن غلبت طائفة بلونها على أحدهما؛ فهما، إلى حدٍّ ما، امتداد غير صحي وغير منطقي لكلٍّ من الحركة الوطنية، بغالبيتها المسلمة، و«الجبهة اللبنانية» بغالبيتها المسيحية، وقد شكّلا معاً نظامَ ما بعد الحرب الأهلية.

بين هذين اليمينين، تضيق مساحة الدولة، أو ما تبقّى منها من مؤسسات، والتي أُوكلت إلى قاضٍ «جاء من أقصى المدينة يسعى».

في سعيه نحو الدولة ومن أجلها، يواجه نواف سلام، من موقعه الرسمي رئيساً للحكومة، ومن موقعه الوطني أكاديمياً وسياسياً معتدلاً، صداماً مع هذين اليمينين على اختلافهما.

فعلى الرغم من تناقضهما الحاد وانقسامهما العمودي، يجتمعان بوصفهما منظومة سلطة تتحكّم بالدولة، بمعزل عن الأحجام والأوزان. وهما، بعيداً عن تناحرهما وإمكانية تصادمهما، يتّفقان على محاصرة الدولة، وإعاقة كلّ مَن يحاول تحريرها ولا يخضع لشروطهما.

فعلياً، يواجه نواف سلام يميناً يزايد عليه سيادياً في مواقف الدولة، في مسألة حصر السلاح وآليات اتخاذ قرار الحرب والسلم، ويتصرّف كأنّ السلام متاحٌ بمجرد المطالبة به، وكأنّ التجارب السابقة لم تعلّمه أن في العجلة ندامة، حتى لو تغيّرت بعض حسابات الخارج، فإنّ حسابات الداخل أعقد، ولا تُقاس بمنطق ربح الجماعات أو خسارتها.

في المقابل، يواجه يميناً آخر يزايد وطنياً، يختزل التاريخ والجغرافيا بالبندقية والعقيدة، ولا يرى في الاختلاف حول تفسير السلام -شروطه أو أهدافه- إلا خيانة. يعدّ نفسه فوق الدولة، فلا يؤمن بسلاح واحد، ولا جيش واحد، ولا قرار واحد، ويعتمد التعدّد في كل ما يخص الدولة ومؤسساتها، مقابل احتكار حصري لكل ما يتصل بمحوره.

هذا الأخير، قادته وكالته الحصرية إلى حرب إنهاك جديدة لبيئته، واستنزاف خطير في الأرواح والأرزاق، ومخاطر جدّية في تحوّلات ديمغرافية وجغرافية طويلة الأمد، ستلقي بظلالها القاتمة على حاضرهم ومستقبلهم. وبين الوعد بالنصر الدائم، وواقعهم الصعب، يواجه صعوبة في تحمّل مسؤوليات نكبتهم، فوجد ضالّته في نواف سلام، فتوعده.

لكن أزمة هذا اليمين، الذي فقد امتيازاته ما فوق الدولة، ليست مع نواف سلام بقدر ما هي مع السؤال الصعب الذي ستطرحه عليه بيئته: فـ«نصره» الموعود لم يمنعه سلام، وعندما تتوقّف الحرب سيصبح سؤال السلم أصعب. عندها، ستكون المكاشفة قاسية، وسيغدو نواف سلام مرآة تعكس وجه الحقيقة؛ لذلك قرّر هذا الفريق شيطنته.

فلا الهتافات المحرّضة، ولا التهديد بإسقاط حكومته، ولا التلويح بالشارع، ستدفع سلام إلى مساومة على مقاس السلطة أو تقاسمها.

في المحصّلة، لا يرى هذا اليمين، ومعه اليمين الآخر، في نواف سلام إلا ثقلاً على مشروع السيطرة على الدولة، كأنّه «ورم حميد» يتوسّع ينبغي استئصاله، حتى تعود الدولة أقلّ من حجمها، وتعود منظومة السلطة أكبر من دولتها.

هذه المنظومة، بيمينيها، وحتى بمعزل عن سلاح أحدهما، تفقد السيطرة تدريجياً، لكنها لا تزال تقاوم. وأكبر مواجهاتها اليوم هي مع نواف سلام المعتدل في انتمائه، الصارم في مواقفه. هدفٌ ظاهر للحزب وإخوانه وسلاحه، وهدفٌ مضمر لمنظومة السلطة وفسادها. يتمنّون مجتمعين إسقاطه، لكنْ، على ما يبدو، باقٍ على وسطيته واعتداله ويتمدد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نواف سلام واعتداله بين يمينَين نواف سلام واعتداله بين يمينَين



GMT 03:13 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:05 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:02 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

اليوم التالى فى الخليج

GMT 02:57 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مواعيد الحصاد

GMT 02:55 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الجامعة العربية و«الناتو»... عاشا أم ماتا؟

GMT 02:54 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

«صعود التوحد»... والطبّ «يتفرج»

GMT 02:52 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حربٌ ضلت طريقها

GMT 02:30 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

عن الأيام الصعبة القادمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:04 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد
المغرب اليوم - الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 07:39 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 15:48 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 01:52 2021 الإثنين ,04 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في اسبانيا

GMT 19:04 2023 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

الصين تُعلن عن نجاح أول عملية إطلاق إلى الفضاء في عام 2023

GMT 12:23 2020 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

كلير وايت كيلير تودّع دار جينفشي

GMT 22:12 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النجم دروغبا يخطط لاعتزال كرة القدم خلال العام المقبل

GMT 23:27 2022 الجمعة ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الصين والزعيم الأعلى الراسخ

GMT 19:43 2022 الأربعاء ,16 شباط / فبراير

الجيش الملكي يتلقى ضربة موجعة بعد إصابة لاعب مميز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib