إيران سباق الـ«بيريسترويكا» والبوعزيزي

إيران... سباق الـ«بيريسترويكا» والبوعزيزي

المغرب اليوم -

إيران سباق الـ«بيريسترويكا» والبوعزيزي

مصطفى فحص
بقلم : مصطفى فحص

بين الإيراني أحمد البالدي والتونسي محمد البوعزيزي مشتركات كبيرة، لم تستطع المسافة الشاسعة، ولا الجغرافيا وتعقيداتها السياسية، ولا الحدود بصعوباتها العقائدية أو الإثنية أو اللغوية أن تفصلهما. فقد اجتمع الشابان، من دون أن يدرك أحدهما الآخر، على القهر وفي وصف حالتهما وانفعالهما. فقد أدّى القهر إلى ممارسة نوع من العنف لا يؤذي إلا صاحبه، وكأنه قرار عقاب فردي؛ احتجاجاً على حالة فريدة في شكلها، لكنها عامة في مضمونها. وفي الحالتين أُعلِن عن أمرين: عجز، واحتجاج. الأول إعلان صريح عن عجز في إصلاح الحال، لكنه -أي العجز- ليس نتيجة عطب أو ظرف خاص فقط، بل نتيجة حالة سوء عام تتحمل مسؤوليتها الدولة. أما الثاني فهو فعل الاحتجاج ضد الدولة أو مَن يمثلها مباشرة.

التشابه التام في الحالتين مكتمل في الشكل والمضمون والمخاطر. والمخاطر هنا ليست عرضية ولا استثنائية، فعُود الكبريت الذي أشعل به البوعزيزي نفسه تجاوزت حرائقه الضخمة حدود تونس، ما يعني أن الاعتراض الذي فجّرته حادثة أحمد البالدي في الأهواز جنوب غربي إيران قد يمتد طولاً وعرضاً في المساحة الإيرانية إذا لم تستدرك الدولة الأمر، وحتى لا يكرر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جملة نظيره التونسي الأسبق زين العابدين بن علي الشهيرة: «الآن فهمتكم».

يدرك بزشكيان حجم المخاطر الداخلية التي تعاني منها بلاده، من الجفاف الذي يضرب العاصمة طهران ومناطق أخرى، إلى البطالة وأرقام التضخم المرتفعة، مروراً بالفساد والهدر على مشروعات خارجية، وصولاً إلى العقوبات الدولية القاسية وتداعيات الحرب الأخيرة واحتمالات عودة الموجة العسكرية المباشرة مع تل أبيب.

هذه المخاطر كلها ترهق كاهل المواطن الإيراني الذي باتت قدرته محدودة جداً على تحمّلها. وبرأي بزشكيان، فإن هذه المصاعب المعيشية التي تواجه الإيرانيين لا تتحمل مسؤوليتها الحكومة وحدها، إذ كان كلامه أمام البرلمان واضحاً وصريحاً حين قال: «أتحمّل ذنبي، لكن ليست كلّ الذنوب ذنوبي وحدي... على المؤسسات والهيئات الأخرى أيضاً أن تعترف بأخطائها».

وفي كلمة ألقاها أمام مجلس الشورى (البرلمان)، الثلاثاء الفائت، خاطب بزشكيان الحاضرين قائلاً: «لا يمكننا أن نحكم والشعب جائع»، قارعاً ناقوس الخطر حول الأزمة المعيشية التي يعاني منها الشعب الإيراني. هذا الموقف الصريح من الرئيس الإيراني يعتمد على وقائع وأرقام استطلاعات للرأي تعكس حجم الأزمة المركبة التي تعيشها إيران؛ حيث أظهر استطلاع أجراه مركز «إيسيا» لأبحاث الرأي العام -بطلب من رئاسة الجمهورية- أن السخط الشعبي على الأوضاع العامة وصل إلى نحو 92 في المائة.

وبالنسبة لبزشكيان وفريقه الحكومي والنخبة السياسية الإصلاحية والمعتدلة التي تدعمه، فإن الثقة العامة بالدولة قد تراجعت، وأن عملية تحسين الأوضاع المعيشية باتت صعبة من دون القيام بإصلاحات جدية.

الواضح أن المَخرج الحقيقي الداخلي الإيراني هو إصلاحات فعلية في الشكل والمضمون، وهي أشبه بـ«بيريسترويكا» إيرانية، ليست بالضرورة على النمط السوفياتي، مع العلم بأن أمراض الشيخوخة المبكرة التي يعاني منها نظام 1979 لا تختلف كثيراً عن أزمات النظام السوفياتي الداخلية لحظة وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة. وهذا بالنسبة إلى نخب النظام الإسلامي مخاطرة كبرى بين بداية إصلاحات ضرورية قد تؤدي إلى إصلاحات جذرية تطول شكل النظام وطبيعته.

بين نموذجين: الـ«بيريسترويكا» وتخفيف بعض القيود الاجتماعية التي لا تسدّ رمق المواطنين، وعود كبريت أشعله أحمد البالدي قد يمتد إلى كل إيران كما حصل مع البوعزيزي... هل إيران أمام احتمالين لا ثالث لهما؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران سباق الـ«بيريسترويكا» والبوعزيزي إيران سباق الـ«بيريسترويكا» والبوعزيزي



GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 15:27 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 15:21 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

أمن الشرق الأوسط!

GMT 15:19 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

قراءة في العقل السياسي الإيراني

GMT 16:21 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 16:18 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

جواب: هذا في الاسم

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 04:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
المغرب اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
المغرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 15:09 2021 السبت ,03 تموز / يوليو

هاميلتون يمدد عقده مع مرسيدس

GMT 01:01 2021 الأربعاء ,24 شباط / فبراير

المغرب يسجل 446 إصابة و15 وفاة جديدة بفيروس كورونا

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 16:16 2020 الأربعاء ,27 أيار / مايو

الترجي التونسي يعود للتدريبات بعد أزمة كورونا

GMT 02:19 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

نصائح سريعة لترتيب غرفة الغسيل

GMT 03:16 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق طبيعية لتعطير المنزل في الأعياد

GMT 00:17 2017 الجمعة ,23 حزيران / يونيو

حسين معرفي يستقيل من إدارة النادي العربي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib