أوكرانيا انتصار روسيا الأجوف

أوكرانيا: انتصار روسيا الأجوف

المغرب اليوم -

أوكرانيا انتصار روسيا الأجوف

أمير طاهري
بقلم : أمير طاهري

يبدو أن المساومات الأخيرة لإنهاء الحرب في أوكرانيا ترتكز على ثلاثة عناصر، اثنان منها يمكن وصفهما بـ«الوعود المستقبلية» وعنصر واحد «للتسليم الفوري». ويتعلق جزء «التسليم الفوري» باتفاق يسمح لروسيا بالاحتفاظ بالجزء الذي احتلته من إقليم دونباس؛ وهذا هو ما يصفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ«التنازل الإقليمي» من جانب أوكرانيا.

وفي لقائه الأخير مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين، بدا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قبل بهذه النتيجة، مع تحفظ بأن يتم اعتبارها أمراً واقعاً وليس اعترافاً قانونياً شرعياً.

وفي المقابل، يرغب زيلينسكي في الحصول على ضمانات أمنية غير محددة من الولايات المتحدة، وهو أمر قد يمنحه إياه ترمب، عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، لعلمه أن الحصول على ضمان قانوني ملزم وقاطع قد لا يحدث أبداً.

أما الجزء المتعلق بـ«الوعود» في الصفقة المفترضة، فينص على ضرورة قيام أوكرانيا بخفض حجم جيشها إلى النصف، والتعهّد بعدم السعي أبداً لعضوية «حلف شمال الأطلسي». وكما قد تتوقع، فإن هذه الوعود ليست سوى «ذريعة» دبلوماسية لحفظ ماء وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الإحراج؛ إذ يمكن تجاهل كليهما في مستقبل لا يمكن لأحد التنبؤ به.

ونتيجة لذلك، فإن ما يهم الآن هو التنازلات الإقليمية التي طالب بها بوتين. ولا يبدو أن مستقبل شبه جزيرة القرم المحتلة جزء من المفاوضات الحالية؛ وبما أنه لم تعترف أي من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بضم روسيا لها، فإن وضعها سيبقى غير يقيني.

ولكن حتى إن حصل بوتين على ما يريد في «دونباس»؛ فمن غير المرجَّح أن يحقق نصراً دائماً يبرر حرباً كانت هي الأعلى تكلفة من حيث الدماء والأموال في التاريخ الروسي، منذ أربعينيات القرن الماضي؛ فبعد أن بدأ بهدف مُعلن يتمثل في إلحاق أوكرانيا بالكامل بروسيا بطريقة أو بأخرى، سيضطر الآن إلى القبول بإجمالي 30 ألف كيلومتر مربع من الأراضي؛ وهي ليست سوى منطقة عازلة ضئيلة للغاية مقارنة بمساحة أراضي روسيا الاتحادية التي تبلغ 17 مليون كيلومتر مربع.

إن الرأي السائد اليوم هو أن بوتين يمتلك أوراقاً أقوى للعب بها من زيلينسكي، وقد يكون هذا صحيحاً؛ فقد تزعزعت مكانة زيلينسكي بشدة بسبب فضائح الفساد التي جرت تحت أنظاره، وفشل الكفاءة الذي يغلب على أجزاء كثيرة من حكومته. ومن ثم، فقد يكون مستعداً لتقديم التنازلات التي يطالب بها بوتين وترمب، وإن كان ذلك بنبرات مختلفة.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ المبالَغة في تقدير الميزة التي قد يدعيها بوتين في هذا المنعطف. إن حقيقة استعداده لقضاء ساعات مع مبعوث ترمب الشخصي، ستيف ويتكوف، متجاهلاً بذلك كل البروتوكولات، هي علامة - إن لم تكن على اليأس - فعلى الأقل على ضعف الأوراق التي يمكنه اللعب بها.

قد يحصل بوتين على دونيتسك ولوهانسك، ولكن هل سيكون قادراً على «روْسَنتِهِما» (تحويلهما للصبغة الروسية)؟ الإجابة قد تكون: «كلا». لقد أسفرت الحرب عن طرد نحو 40 في المائة من السكان من قراهم ومدنهم؛ إذ هرب أكثر من نصفهم إلى الداخل الأوكراني، في حين أصبح النصف الآخر لاجئين في روسيا نفسها. وقد حاولت موسكو تحويل مدينة ماريوبول شبه المدمرة - وهي «جوهرة تاج» انتصاراتها في هذه الحرب - إلى واجهة عرض لمدى جمال الحياة تحت الراية الروسية.

لقد شُيدت العشرات من المجمعات السكنية الجديدة، غالباً بأسلوب العمارة الستالينية الذي كان ليرضي غدانوف وغيره من منظّري «الواقعية الاشتراكية».

ومع ذلك، فإن أغلب «هدايا الشعب الروسي» تلك... لم تجد من يقبلها؛ إذ يرفض اللاجئون الأوكرانيون العودة، كما لم يسارع المستوطنون الروس (إثنياً) إلى استيطان هذه المناطق الجديدة. أما المراسلون الذين زاروا تلك «المدينة النموذجية»، فقد وجدوها مدينة أشباح، يسكنها كبار السن الذين لم يتمكنوا من الفرار، مع حفنة من المرتزقة القادمين من أميركا اللاتينية أو أفريقيا.

إن روسيا، التي تعاني من واحد من أدنى معدلات المواليد في العالم، بالإضافة إلى «نزف ديموغرافي» دفع بملايين الشباب الروس إلى المنفى، تفتقر إلى الفائض السكاني اللازم لبناء المستعمرات والإمبراطوريات.

كنا نعلم ذلك مسبقاً حينما اصطدمت خطة بوتين الطموحة التي أطلقها قبل عقد من الزمان لتوطين سيبيريا - المعروفة بخطة «منطقة الشرق الأقصى الفيدرالية» - بجدار صلد.

فعلى الرغم من الوعود بتقديم أموال مقابل الاستقرار، وعقود ملكية الأراضي، والمنح والقروض من دون فوائد لتأسيس الأعمال، لم يبتلع الطُعم سوى بضعة آلاف من الروس الإثنيين. وفي نهاية المطاف، اجتذبت الخطة أعداداً كبيرة من المستوطنين والعمال الموسميين الصينيين، إضافة إلى «مقيمين مؤقتين» من كوريا الشمالية يأتون ويذهبون عبر الحدود.

إن التاريخ زاخر بالأمثلة على كيف أدى «العجز الديموغرافي» إلى إحباط مخططات بناء الإمبراطوريات.

ففي القرن التاسع عشر، ضمَّت روسيا مساحات شاسعة من الأراضي في وسط آسيا والقوقاز، لكنها لم تستطع تغيير هويتها العرقية؛ لأن الإمبراطورية القيصرية - على عكس الإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت - لم تكن تُنتج عدداً كافياً من المواليد.

وفي أربعينات القرن الماضي، ضمَّت روسيا 10 في المائة من أراضي فنلندا، لكنها لم تنجح قَطّ في استبدال السكان الفنلنديين الإثنيين الذين فروا عبر الحدود. كذلك ضم «الرايخ الألماني» الناشئ حديثاً بقيادة بيسمارك المقاطعتين الفرنسيتين «الألزاس واللورين»، مما أدى إلى فرار جزء كبير من السكان إلى أجزاء أخرى من فرنسا، بينما كان الرايخ يفتقر إلى الاحتياطي الديموغرافي اللازم لإعادة توطين الأراضي المضمومة. وفي المقابل، وبفضل الازدهار الديموغرافي، تمكنت إسبانيا والبرتغال وفرنسا من بناء إمبراطوريات في ثلاث قارات. إلا أن الحرب العالمية الأولى أوقفت طفرة المواليد في فرنسا.

وبالعودة إلى المأساة الأوكرانية، قد يكتشف بوتين أنه حتى لو سُمح له بضم جزء من دونباس، فإنه سيفشل في «روسنتها». إن شعور روسيا التاريخي بعدم الأمان - الذي يمكن القول إنه السبب الجوهري لعدوانيتها - لن يُعالج بوجود منطقة عازلة واهية، ستحتاج بمرور الوقت إلى منطقة عازلة أخرى لتوفير الأمن لها.

إن بوتين يفكر في قضايا القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن التاسع عشر؛ فروسيا تفتقر اليوم إلى المزايا التي كانت تتمتع بها في القرن التاسع عشر. أما اليوم، فتظهر الإحصاءات الرسمية الروسية أن البلاد تواجه نقصاً في العمالة يتجاوز أربعة ملايين شخص لإبقاء اقتصادها واقفاً على قدميه، وتحتاج لمئات الآلاف من الشباب والشابات لتعويض الخسائر التي تكبدها جيشها في هذه الحرب العبثية.

ربما تكون العبرة من هذه المأساة هي: لا تُحمّل نفسك ما لا تطيقه، وإذا كنت ترغب في الفوز بالحروب وبناء إمبراطورية... فأنجب الأطفال.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوكرانيا انتصار روسيا الأجوف أوكرانيا انتصار روسيا الأجوف



GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 15:27 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 15:21 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

أمن الشرق الأوسط!

GMT 15:19 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

قراءة في العقل السياسي الإيراني

GMT 16:21 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 16:18 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

جواب: هذا في الاسم

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 04:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
المغرب اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
المغرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 15:09 2021 السبت ,03 تموز / يوليو

هاميلتون يمدد عقده مع مرسيدس

GMT 01:01 2021 الأربعاء ,24 شباط / فبراير

المغرب يسجل 446 إصابة و15 وفاة جديدة بفيروس كورونا

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 16:16 2020 الأربعاء ,27 أيار / مايو

الترجي التونسي يعود للتدريبات بعد أزمة كورونا

GMT 02:19 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

نصائح سريعة لترتيب غرفة الغسيل

GMT 03:16 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق طبيعية لتعطير المنزل في الأعياد

GMT 00:17 2017 الجمعة ,23 حزيران / يونيو

حسين معرفي يستقيل من إدارة النادي العربي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib