عندما يتحدث «الصامت الكبير»

عندما يتحدث «الصامت الكبير»

المغرب اليوم -

عندما يتحدث «الصامت الكبير»

أمير طاهري
بقلم : أمير طاهري

«الروس قادمون!»، كانت هذه العبارة التي عبَّرت، طوال الحرب الباردة، عن قلق الديمقراطيات الغربية من احتمال تعرضها لهجوم نووي مفاجئ من الاتحاد السوفياتي. وحملت هذه النكتة في طيَّاتها أصداء التهديد المتبجح الذي أطلقه الزعيم الروسي نيكيتا خروتشوف عام 1956، حين خاطب القوى الغربية قائلاً: «سندفنكم!».

في وقت لاحق، وفي إطار خطاب ألقاه في الأمم المتحدة، ألمح الزعيم الشيوعي إلى أن الدفن الموعود قد يأتي بحلول عام 2000.

ومع ذلك، نجد أنه بحلول عام 1992، انتشرت عبارة أخرى في العواصم الغربية: «الروس ذاهبون!». وفي حين أن عبارة «الروس قادمون» حملت سبباً مفترضاً للشعور بالقلق، فإن عبارة «روسيا ذاهبة» طرحت مشكلات عملية، لأنه لم تكن لدى «القوة العظمى» العملاقة اللوجيستيات اللازمة لنقل 300 ألف جندي وموظف مدني، بالإضافة إلى كميات غير معروفة من الأسلحة، من شرق ووسط أوروبا.

وبدأ بالفعل الانسحاب عام 1992، واستغرق أكثر من عامين. ووفّرت إدارات السكك الحديدية الوطنية الألمانية الغربية والفرنسية، قطارات لمساعدة الروس على العودة إلى ديارهم. وبدلاً من أن تنقل القطارات الروسية القوات السوفياتية المنتصرة إلى باريس المُحتلة، حملت الجنود الروس السعداء بالعودة إلى ديارهم.

لذا، كان من المُفاجئ، إن لم يكن الصادم، سماع عبارات «الروس قادمون»، الأسبوع الماضي، على لسان شخصية في مكانة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الفرنسية، الجنرال فابيان مادون.

في خطاب ألقاه في أثناء اجتماع لرؤساء البلديات الفرنسية، لم يستخدم مادون العبارة بالضبط، لكنه بدا أكثر إثارة للقلق بتلميحه إلى أن روسيا تستعد لخوض حرب ضد أوروبا، مع احتمالات اشتعالها عام 2030. وبأسلوب يشبه أسلوب تشرشل، دعا الجمهور إلى الاستعداد «لفقدان أطفالنا»، ومعاناة المشقة في خضم جهود تطوير دفاعات فرنسا والاتحاد الأوروبي، استعداداً للحرب.

في الواقع، كان للمرثية التي ألقاها الجنرال وقع المفاجأة، فبموجب قاعدة ذهبية عمرها 150 عاماً، لا يُسمح للجيش الفرنسي بالإدلاء بتصريحات علنية تخص الشؤون السياسية.

الحقيقة أن المعجم السياسي الفرنسي لطالما وصف القوات المسلحة باسم «الصامت الكبير» (La grande muette).

ومع ذلك، اتضح أن الجنرال لم يكن يتحدث جزافاً، عندما بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، القائد العام القانوني، كأنه يقر تصريحاته بصمته.

وقبل أيام قليلة من إلقاء الجنرال الفرنسي قنبلته، أطلق المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحذيراً مماثلاً، مع اختلاف أنه ذكر عام 2029 بدلاً من عام 2030، الذي ذكره مادون بوصفه التاريخ المحتمل للهجوم الروسي المزعوم.

وفيما يمكن أن يكون أطرف لحظات التاريخ، جاء قرع طبول الحرب الأوروبية قبيل ساعات من تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول «خطته للسلام»، المكونة من 28 نقطة لأوكرانيا.

والواضح أن الأوروبيين والأوكرانيين لم يلحظوا أن ترمب على وشك أن يسرق الأضواء. وبالفعل، جرى طرح الخطة المكونة من 28 نقطة بوصفها عرضاً نهائياً؛ ينبغي إما قبوله وإما لا شيء على الإطلاق. إلا أنه في غضون 48 ساعة فقط، أُعيدت صياغتها «بوصفها أساساً لمزيد من المحادثات»، من دون خط نهاية محدد.

الحقيقة أن التزامن الغريب بين دعوة الأوروبيين للاستعداد لخوض حرب كبرى في مواجهة روسيا، ومحاولة ترمب إبعاد روسيا والاتحاد الأوروبي عن المواجهة، مع تحقيق مكاسب للشركات الأميركية في الوقت ذاته، يكشف عن أن حلفاء «الناتو» لا يسيرون في الاتجاه ذاته، فيما يتعلق بأوكرانيا.

وهذا قد يُقنع الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي بالمضي قدماً في حرب عبثية، لأن أياً من روسيا وأوكرانيا لم تصل بعد إلى عتبة الألم. ورغم مزاعم إحراز «بعض التقدم» الصادرة من جميع الأطراف، بما في ذلك موسكو، فإن محاولة ترمب الأخيرة للعب دور صانع السلام، قد تتلاشى في ضباب الاحتمالات المأمولة التي نادراً ما تتحقق على الأرض.

من ناحيتهما، أكد كل من الجنرال مادون والمستشار ميرتس أن أوروبا تمتلك كل ما تحتاج إليه من معرفة اقتصادية وعلمية لتطوير دفاعاتها، إلى درجة تردع روسيا أو تكسب أي حرب ضدها. أما ما ينقص، كما ألمح مادون، فهو الاستعداد النفسي والسياسي للأوروبيين للتحول إلى مزاج عدواني، بدلاً من الجدال حول التقاعد المبكر، وزيادة العطلات الرسمية، والحلم بمغامرتهم السياحية القادمة.

وفي حين تملك أوروبا، نظرياً على الأقل، الموارد اللازمة لبناء آلة حربية جبارة، فإنها قد تكون على بُعد سنوات ضوئية من الشعور الحقيقي بالتهديد الوجودي، اللازم لدفعها إلى تخصيص مزيد من الموارد، لتعزيزٍ عسكريٍّ سيتطلب حتماً تخفيضات كبيرة في المزايا التي يتيحها مجتمع الرفاهية.

ويمكن تلخيص المزاج السائد في أوروبا على النحو الآتي: نحن مستعدون لتقديم جميع التضحيات اللازمة إذا هاجمتنا روسيا مباشرةً، لكننا مترددون في دفع ثمن الدفاع عن أوكرانيا، ناهيك بالموت من أجلها.

وعلى ما يبدو، ثمة مزاج مشابه يتكون داخل روسيا، حيث يُبدي حتى أولئك الذين ما زالوا يدعمون الحرب، وهم الأغلبية حتى الآن، علامات استياء من بوتين لعدم انتصاره في «هذا الأمر اللعين»، الذي بدأه كـ«عملية عسكرية خاصة»، مفترَضٌ أن تستمر لبضعة أيام أو أسابيع فقط.

الواضح أن روسيا بذلت بالفعل معظم ما في وسعها لتحقيق النصر في أوكرانيا، لكن النتائج جاءت هزيلة.

وقد تضاعفت ميزانيتها الدفاعية السنوية ثلاث مرات تقريباً، لتصل إلى 140 مليار دولار مقارنةً بعام 2021. وهذا يمثل 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 40 في المائة من إجمالي الميزانية الوطنية. وقد رافق ذلك خفض مخصصات الرعاية الاجتماعية بنسبة 10 في المائة، وخفض مخصصات مشروع البنية التحتية بنسبة 20 في المائة.

في المقابل، لا يزال الأوروبيون يكافحون لزيادة الإنفاق الدفاعي فوق 2 في المائة من ناتجهم المحلي الإجمالي السنوي، مع تداول نسبة 5 في المائة بوصفه رقماً مأمولاً خلال العقد الحالي.

إضافةً إلى ذلك، أجرى بوتين عملية تطهير واسعة، وإن كانت هادئة، في صفوف الضباط الروس. ونفَّذ وزير الدفاع المعين حديثاً، أندريه بيلوسوف، ما يراه بعض المراقبين البرنامج الأكثر فاعلية لمكافحة الفساد وإعادة التنظيم، الذي خضعت له القوات الروسية منذ سقوط «الإمبراطورية الشريرة».

على الجانب السلبي، ومع مغادرة ما يقدَّر بنحو أربعة ملايين شاب البلاد، تعاني روسيا نقصاً في المقاتلين لا يمكن تعويضه بجلب مرتزقة «فاغنر» من أفريقيا وكوريا الشمالية. ورغم ما أبداه من مرونة مفاجئة، يُبدي الاقتصاد الروسي بالفعل علامات إرهاق هيكلي. ومع نزوح ثلث سكانها داخلياً وخارجياً كلاجئين، وانهيار اقتصادها، تواجه أوكرانيا وضعاً أشد خطورة.

ومع أن روسيا وأوكرانيا لم تُنهكا بعد، فإنهما تقتربان من نقطة الاستسلام. وقد تُمثل «خطة ترمب للسلام» حينها فرصةً لإنقاذ ماء وجه كلتيهما.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما يتحدث «الصامت الكبير» عندما يتحدث «الصامت الكبير»



GMT 13:10 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

شوربة عدس للشباب

GMT 13:08 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ترمب و«الإخوان»... هل يستطيع؟

GMT 13:04 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

معالجة أسباب العنف ضد النساء هي الأهم

GMT 13:00 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى مستشار المرشد... عن الخبز والماء والسلاح

GMT 12:59 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

الإخوان بين البراجماتية الأمريكية والميوعة الأوروبية

GMT 12:55 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

لماذا لا ترد حماس وحزب الله على العدوان؟!

GMT 12:51 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

أصل القصة في لبنان

GMT 12:49 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

«أوراقي 12».. عندما قال القاضي المتهم اسمه بليغ حمدي!

الثقة والقوة شعار نساء العائلة الملكية الأردنية في إطلالاتهن بدرجات الأزرق

عمّان - المغرب اليوم

GMT 12:31 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مجموعة من الحلول لمشاكل تواجهها البشرة عادةً في الصباح
المغرب اليوم - مجموعة من الحلول لمشاكل تواجهها البشرة عادةً في الصباح

GMT 21:36 2025 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تامر حسني يكشف حقيقة الخطأ الطبي ويطمئن جمهوره
المغرب اليوم - تامر حسني يكشف حقيقة الخطأ الطبي ويطمئن جمهوره

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 21:05 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:25 2023 السبت ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حالة الطقس في المغرب اليوم السبت 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

GMT 07:01 2018 السبت ,01 أيلول / سبتمبر

حذاء كعب القطة يعود إلى سباق الموضة لعام 2018

GMT 07:25 2018 الثلاثاء ,06 شباط / فبراير

احصلي على شهر عسل مليئ بالرومانسية في سويسرا

GMT 06:37 2019 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

إطلاق تطبيق "MBC Radios "متضمنًا 8 إذاعات ضمن منصة رقمية واحدة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib