إيران الخوف من شح المياه

إيران: الخوف من شح المياه

المغرب اليوم -

إيران الخوف من شح المياه

أمير طاهري
بقلم : أمير طاهري

بزفرة ارتياح، استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بداية العام الدراسي الجديد وبداية فصل الخريف قبل أيام. ونبع شعور الارتياح من فكرة أن ما وُصف بأنه «أعطش صيف» في تاريخ إيران الطويل، قد انتهى أخيراً.

قبل شهرين فقط، حذّر بزشكيان من أن طهران قد تنفد منها المياه في غضون أسابيع. اليوم، الكارثة التي توقّعها لم تقع. ومع ذلك فإن العوامل التي كانت ستؤدي إليها لا تزال قائمة.

الواضح أن إيران تعاني، اليوم، من نقص المياه. ويرسم أحدث الأرقام الصادرة عن وزارة المياه والطاقة ملامح صورة قاتمة: معظم السدود الثمانين في البلاد لا تحتوي إلا على 36 في المائة من طاقتها الاستيعابية. ومن بين 31 إقليماً، لم يحافظ سوى اثنين فقط على التوازن بين استهلاك المياه وتجديد الموارد. أما بقية الأقاليم فتعاني من تناقص سريع في مصادر المياه. على سبيل المثال، في «السنة المائية»، التي انتهت في الأول من سبتمبر (أيلول) 2025، سجّلت إيران هطولاً مطرياً لم يتجاوز 150 ملم فقط، بانخفاض بنسبة 39 في المائة، مقارنة بمتوسط السنوات العشر الماضية، وانخفاض بنسبة 40 في المائة مقارنة بسنة 2024. في الوقت نفسه، تراجع تخزين المياه في المشاريع المائية بنسبة 45 في المائة. وعليه، تأتي إيران بين أكثر الدول جفافاً في العالم، وتحتاج إلى حد أدنى يبلغ 251 ملم من الأمطار سنوياً لتجنّب التصحر السريع.

اللافت أن دراسات رسمية أخرى ترسم صورة أكثر قتامة في السنوات المقبلة: أكثر من 40 في المائة من البحيرات والمستنقعات، المقدَّرة بـ300 في البلاد، قد جفّت أو في طريقها لأن تتحول إلى بُقع صحراوية في غضون عقد واحد. واليوم، تبدو بحيرة أرومية، التي احتلت، في وقت سابق، المركز الثامن عشر بين أكبر بحيرات العالم، وكأنها اختفت للأبد. وكذلك الحال مع بحيرة هامون في الشرق، على الحدود مع أفغانستان.

وتقف بحيرات جاز-موريان في بلوشستان وباختيجان في إقليم فارس ـ منطقة طبيعية يقصدها طائر الفلامنغو الوردي ـ على شفا التصحر. كما يتهدد خطر التصحر مستنقع الحويزة، الموصوف بأنه «قطعة من الجنة على الأرض»، في الجنوب الغربي تحديداً، مع تراجع تدفق الأنهار المُغذّية له.

ولا تبدو عشرات الأنهار أفضل حالاً: نحو 40 في المائة من أنهار البلاد الـ200 وجداولها، إما جفّت تماماً أو تحولت إلى جداول موسمية. مثلاً، نجد أن نهر زاينده رود، المعروف بـ«مانح الحياة»، انحسر إلى جدول ضيق لا يظهر إلا لبضعة أيام، كل عام.

أما مستنقع كاو-خوني فتحولت المنطقة التي كان ينتهي عندها، بالفعل، إلى صحراء شبه رطبة. ويهدد موت زاينده‌ رود وجود مدينة أصفهان نفسها، إحدى أجمل المدن التاريخية في العالم وعاصمة إيران السابقة. أما نهر كارون، أكبر وأطول الأنهار الإيرانية، والوحيد الصالح للملاحة بينها، والذي يمر عبر ثلاثة أقاليم، ففقد 40 في المائة من تدفقه التقليدي. كما تسببت أزمة المياه في إيران كذلك بفقدان أو تملّح التربة السطحية، وهبوط الأرض في 25 إقليماً. وكان أحد التأثيرات المباشرة لذلك التراجع المستمر في الإنتاج الغذائي.

من جهتها، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة «الفاو»، ومقرها روما، أن إيران لا تواجه تهديداً بالمجاعة على الفور. ومع ذلك فإن 25 في المائة من السكان مهدَّدون بـ«نقص معتدل إلى حاد» في الغذاء.

ما أسباب الكارثة الوشيكة؟ يتمثل أحد الأسباب الواضحة في موجة الجفاف، التي تدخل عامها الخامس. ومع هذا، تبقى هناك أسباب أخرى أكثر أهمية؛ في تسعينات القرن الماضي، قررت الحكومة السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في إنتاج الغذاء، بحجة أنه يجب الاستعداد لمواجهة العقوبات التي قد تؤثر على واردات الغذاء. ويأتي ذلك رغم أنه على أرض الواقع، لم تردْ واردات الغذاء، إلى جانب الأدوية والمُعدات الطبية، قط في قائمة العقوبات الأممية أو غيرها.

ومع هذا، شكّل شعار «خود-كفائي» (الاكتفاء الذاتي)، المُستوحى من نظرية «جوتشه» الكورية الشمالية، أساس السياسة الزراعية.

وعليه، ازدادت المساحة المزروعة بنسبة 40 في المائة، ما استلزم بناء العديد من السدود والحواجز والقنوات، التي استنزفت مياه الأنهار. كما جرى حفر العديد من الآبار الارتوازية، التي امتصت موارد المياه الجوفية. بحلول عام 2019، شكلت الزراعة ما بين 60 و80 في المائة من استهلاك المياه في البلاد، بينما لم تُوفر سوى 18 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وبالفعل، تحقّق الاكتفاء الذاتي، وأصبحت إيران كذلك مصدراً رئيساً للمنتجات الزراعية لروسيا والعراق. وكان من الأفضل لإيران أن تستورد الحبوب والمنتجات الزراعية الأخرى، التي تستهلك كميات ضخمة من المياه، وأن تُركز على المنتجات العالية القيمة والقابلة للتصدير، مثل مجموعة واسعة من الفاكهة، التي تنمو في البلاد منذ آلاف السنين؛ لتغطية تكاليف الواردات.

كما تسبَّب الاستخدام المكثف للآبار الارتوازية والسدود التي بُنيت على عجل، في إهمال نظام قنوات المياه الجوفية في البلاد، الذي تجنب التبخر، ونظم استخدام المياه بطريقة مُستهدفة. تُعرف هذه القنوات باسم «القنوات»، وهي أحد الاختراعات الرئيسة الثلاثة التي تُنسب إلى الإيرانيين، إلى جانب طواحين الهواء وأبراج الرياح لتبريد المباني. وكانت الحاجة الدافعة وراء الاختراعات الثلاثة ضرورة مواجهة شح المياه.

ووفقاً لبزشكيان، فإن الزيادة السكانية تأتي بين الأسباب الأخرى وراء أزمة المياه الراهنة. وتكشف الأرقام أن عدد سكان إيران تضاعف ثلاث مرات تقريباً منذ عام 1960، عندما أُجري أول تعداد علمي للسكان. ويشكل التحضر الشامل عاملاً آخر، في ظل استخدام سكان المدن 60 في المائة مياهاً أكثر لتلبية احتياجاتهم الشخصية، مقارنةً بسكان المناطق الريفية.

وجدير بالذكر أن الحضارة الإيرانية في مجملها قامت على هضبة ذات ثلاث قواعد، كل منها تتغذى من مصادرها المائية الخاصة. كان إحداها في الشرق، وكانت القاعدة الحضارية الثانية في وسط محافظات أصفهان وشارماهل وفارس، أما القاعدة الثالثة فتقع في الجنوب الغربي في سوسة وأجزاء من بلاد ما بين النهرين، واستفادت من مياه نهرَي الفرات ودجلة، علاوة على اثني عشر نهراً تتدفق من سلسلة جبال زاغروس. وارتفعت أصواتٌ كثيرة داخل إيران وخارجها، مُحذِّرةً من أن مرتكزات إحدى أقدم حضارات العالم مُهدَّدةٌ بالانقراض على المديين المتوسط والبعيد.

الخبر السارّ هنا أن العديد من الدراسات الجادة، بما فيها دراسة يابانية، تُشير إلى أن الانهيار المُتوقع ليس حتمياً، وأن الاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة والسياسات الاجتماعية والثقافية، إلى جانب الاستثمار الضخم في الموارد، يُمكن أن تُوقف مسيرة التصحر المُهلِك، ثم تعكس مسارها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران الخوف من شح المياه إيران الخوف من شح المياه



GMT 18:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

الإسكندرية كمان وكمان

GMT 17:45 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ

GMT 17:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

تحولات إيران وأمن الخليج

GMT 17:29 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

وهم الانعزالية وخديعة الاستراتيجية الأميركية

GMT 17:27 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

البَكّار وقنبلة البطالة.. لسّه الدّنيا بخير !

GMT 17:20 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

هل بدأ نتنياهو رسم خريطة المنطقة؟

GMT 17:18 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

الأمير عمر طوسون

GMT 17:16 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

بطاطا مراد وهبة

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

القاهرة - المغرب اليوم
المغرب اليوم - قطع مجوهرات نادرة تزيّن صندوق كيت ميدلتون في عيد ميلادها

GMT 16:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

درة تكشف تفاصيل مشاركتها في مسلسل «علي كلاي»
المغرب اليوم - درة تكشف تفاصيل مشاركتها في مسلسل «علي كلاي»

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 15:39 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 22:23 2025 الثلاثاء ,29 تموز / يوليو

الطاقة المتجددة تتفوق على الفحم في أستراليا

GMT 09:25 2023 الإثنين ,31 تموز / يوليو

ارتفاع متوسط آجال أداء المقاولات بالمغرب

GMT 12:20 2021 الجمعة ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

نرجس الحلاق تكشف فرق السن بينها وبين مهدي فولان

GMT 14:48 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

المكتبة الوطنية للمملكة المغربية تطلق منصة رقمية

GMT 02:27 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

المغرب في طريقه لانهاء حظر التجول الليلي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib