عندما يطيل وقف النار من أمد الحرب

عندما يطيل وقف النار من أمد الحرب

المغرب اليوم -

عندما يطيل وقف النار من أمد الحرب

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

وفقاً لمقولة قديمة، فإن تاريخ أي حرب يكتبه المنتصر. ذلك لأن الخاسر إما ميت، وإما مصاب بجروح بالغة لا تسمح له بالكتابة، أو في بعض الحالات، يأمل في تحويل المنتصر صديقاً. ولكن لكي تنطبق هذه المقولة، يجب أن تنتهي الحرب بمنتصر معترَف به. وهذا يطرح مشكلة أخرى: لا يمكن لأي منتصر أن يعلن نفسه منتصراً ويضع إكليلاً من الزهور على رأسه ما لم يعترف خصمه بالهزيمة.

هذه هي المعضلة التي واجهها الإسرائيليون منذ أن حاربوا لوضع بلدهم الصغير على الخريطة. لكنهم كلما انتصروا في أي من حروبهم اضطروا إلى القبول بوقف إطلاق النار الذي كان يفرضه عليهم أصدقاؤهم. وهذه المرة أيضاً، كانت الولايات المتحدة - مجدداً - هي من سلبتهم كأس النصر.

نسي المحسنون الذين فرضوا النتيجة النهائية «المتضاربة» أن واجب الحرب هو تغيير الوضع الراهن غير المستقر واستبدال وضع جديد به، مقبول لدى الأطراف المتصارعة، وذلك من خلال تحديد واضح للطرف المنتصر والطرف المنهزم. يقولون إن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. لكن في هذه الحالة، حوّل المحسنون الحرب نسخةً من الدبلوماسية المضللة أشبه ما تكون بلعبة الأفعى والحبل. واستفاد بعض المحسنين الخارجيين من تدخلهم بالفوز في الانتخابات أو حتى بالحصول على جائزة نوبل للسلام التي تبدو جائزةً هزلية إلى حد ما.

منذ عام 1947، ظهرت عشرات الدول الجديدة على الخريطة، واشتعلت عشرات الحروب، الرابح منها والخاسر؛ ما أدى إلى خلق وضع جديد يضمن فترات طويلة من السلام والاستقرار. في جميع هذه الحالات، سُمح للحرب، التي عدّها أرسطو أنبل المساعي البشرية، بأن تكون مجرد وسيلة لتحديد من ربح ومن خسر. وظيفة الحرب هي قطع العقدة الغوردية (المستحيلة) بضربة واحدة ثم السماح للأمور باستئناف مسارها.

أما دعاة الإحسان ومروجو وقف إطلاق النار، فإنهم يُحولون الحرب سكيناً مستقراً في الجرح ليُعاد الطعن به مراراً وتكراراً. بعبارة أخرى، في بعض الحالات، قد يكون وقف إطلاق النار عدواً للسلام.

قد يتكرر هذا الأمر مع وقف إطلاق النار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين إسرائيل وإيران؛ ما أدى إلى وقف مؤقت للحرب التي بدأت منذ ما يقرب من نصف قرن عندما أعلن الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، أن «القضاء على الكيان الصهيوني» هو أولويته القصوى.

بأي معيار عسكري، حققت إسرائيل انتصاراً كبيراً في الحرب التي استمرت 12 يوماً والتي أوقفها ترمب. فقد سيطرت بشكل كامل على الأجواء الإيرانية في غضون 48 ساعة؛ الأمر الذي مكّن قاذفات القنابل «بي-2» الأميركية من تدمير المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية في غضون ساعات قليلة من دون مواجهة أي مقاومة. كما قضى الإسرائيليون على القيادة العسكرية الإيرانية التي يهيمن عليها «الحرس الثوري» وقضوا على مقر قوات «فيلق القدس» الذي نسق عمليات إيران في العراق، ولبنان، وسوريا، وغزة واليمن على مدى عقود.

حسب التقديرات الإيرانية، دمرت إسرائيل أو ألحقت أضراراً جسيمة بالمواقع العسكرية والنووية للجمهورية الإيرانية من خلال مهاجمة أكثر من 600 هدف؛ ما تسبب في أضرار تقدر بأكثر من 1.8 تريليون دولار. في نسخة كلاسيكية من السلوك العسكري البسيط، تمكَّن الإسرائيليون من مهاجمة أهداف في 20 من أصل 31 محافظة إيرانية من دون أن يفقدوا طائرة حربية واحدة.

وفقاً للسيدة فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الرئيس مسعود بزشكيان، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 600 شخص، بينهم 54 امرأة وطفلاً.

كان 23 من بين القتلى جنرالات برتبة نجمة أو نجمتين، بينما كان 300 آخرون من الأفراد العسكريين، بمن في ذلك ضباط الصف. وبلغ عدد العلماء والمديرين النوويين الإيرانيين الذين قُتلوا 46 شخصاً. بينما بلغ عدد الجرحى الإيرانيين 4746 شخصاً. على الجانب الإسرائيلي، يقدَّر عدد القتلى في الهجمات الانتقامية الإيرانية بأكثر من 30 شخصاً، كان بينهم مجند واحد فقط يبلغ من العمر 18 عاماً. وبلغ عدد الجرحى الإسرائيليين 3238 شخصاً.

في العادة، كان من المفترض أن يجعل ذلك إسرائيل الفائز الواضح في الحرب التي استمرت 12 يوماً. ومع ذلك، كما في الحالات السابقة سالفة الذكر، تُوصف بالخاسرة من قِبل إيران، والأدهى من ذلك، من قِبل بعض ممن يُسمون أنفسهم بالخبراء في الولايات المتحدة وأوروبا.

ولزيادة الأمور تعقيداً، صوّر الرئيس ترمب نفسه على أنه المنتصر الذي أنهى الحرب بـ«القضاء على برنامج إيران النووي إلى الأبد» وفرض وقف إطلاق النار في غضون 24 ساعة.

حاولت إيران التفوق على ترمب من خلال الترويج لادعائها بالانتصار. يقول محمد رضا عارف، مساعد الرئيس في طهران: «كسرنا قرون الثور الأميركي ووضعنا أنفه في التراب».

تركز دعاية طهران على حقيقة أن الحرب استمرت 12 يوماً. يقول مقال افتتاحي في موقع «تسنيم» الإخباري التابع لـ«الحرس الثوري»: «انهار العرب بقيادة مصر بعد ستة أيام فقط من الحرب ضد الصهاينة في عام 1967. لكن الجمهورية الإسلامية قاومت هجوم الصهاينة وداعميهم الأميركيين لمدة 12 يوماً وأجبرتهم على التوسل لوقف إطلاق النار».

وتقتبس وسائل الإعلام الرسمية في طهران من صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي إن إن» وغيرهما من الشبكات الأميركية والأوروبية التي تشكك في زعم ترمب بالانتصار، ناهيكم عن مزاعم إسرائيل.

وتعرض وسائل الإعلام الإيرانية مجموعة من الشخصيات الغربية البارزة لدعم ادعاء إيران بالانتصار، من بينهم جون ميرشيمير، وديفيد أتينبورو، ونعوم تشومسكي وجيفري ساكس. وقد شجَّع ادعاء إيران بالنصر بعض الآيديولوجيين الخمينيين على الحث على الاستعداد لجولة أخرى من الحرب. إذ يقول الجنرال إبراهيم جباري، ذو النجمة الواحدة: «لقد هزمنا الشيطان الأكبر وعميله الصهيوني. لكن ينبغي ألا نتوقف عند هذا الحد. يجب أن نبقي حذاءنا على رقبة نتنياهو حتى يختنق».

مرة أخرى في تاريخ الشرق الأوسط، من المقرر أن يؤدي وقف إطلاق النار المتسرع المدفوع بحسابات سياسية قصيرة الأجل إلى إطالة أمد حرب دامت عقوداً، كانت كل مرحلة منها أكثر دموية من التي سبقتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما يطيل وقف النار من أمد الحرب عندما يطيل وقف النار من أمد الحرب



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib