بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي
شهر رمضان شهرٌ له قدسيته في الإسلام بوصفه أحد المواسم الدينية التي تقرّب المسلم من ربه رغباً ورهباً، وله كذلك طقوسه الاجتماعية التي تطورت عبر تطوّر التاريخ وتفاعله مع المجتمعات والثقافات، فأصبحت له شخصيةٌ مستقلةٌ لدى كثير من الشعوب والمجتمعات المسلمة.
رمضان في كل بلدٍ أو إقليمٍ أو منطقةٍ مسلمةٍ له أماراتٌ وعلاماتٌ ومظاهر تختلف عن غيرها من البلدان والمناطق، فمثلاً رمضان في مصر يختلف عنه في إندونيسيا، وهو في المغرب لا يشبهه في باكستان، وهكذا دواليك، بل إنه يختلف في البلد الواحد بين منطقةٍ وأخرى، ويمكن لكل مسلمٍ رصد هذه الفروقات الكبيرة أو الصغيرة في وطنه ودولته ومجتمعه، وهي أوضح من التدليل وأظهر من شرحها بالتفصيل.
في رمضان، يصوم الناس لربٍّ واحدٍ، هو الرقيب الوحيد دون البشر (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ويسعون جهدهم للعمرة في المسجد الحرام وزيارة المسجد النبوي اللذين تتضاعف فيهما الحسنات وتُمحى فيهما الخطايا.
عبر عقودٍ مضت أصرت بعض الجماعات الإرهابية على جعل شهر رمضان الكريم مرتعاً للإرهاب وميداناً للإجرام، عبر ما بذلوه من جهودٍ ضخمةٍ، تفكيراً وتنظيراً، تخطيطاً وتنفيذاً، من أجل قتل المسلمين في الدول الإسلامية بناءً على خطابٍ منحرفٍ عن الدين الإسلامي وإن ادعى تمثيله من جماعات الإسلام السياسي الحديثة، وهو خطابٌ سبقتها إليه جماعات الخوارج في مطلع الإسلام وقرونه الأولى، بحيث يتمّ قلب مبادئ «الإسلام» النبيلة إلى مبادئ عنيفةٍ وغادرةٍ ودمويةٍ، سعوا جميعاً لجعل الدين الإسلامي غطاءً لهم لخلوهم من مكارم الأخلاق ومشاعر الإنسانية.
لقد كانوا يرتكبون كبائر الذنوب ويغالون في استباحة المحرمات، حتى تركوا بر الوالدين الذي حض عليه الإسلام بكل قطعيةٍ، وتدعمه الفطرة وأساسيات الإنسانية، وتبنّوا نقيضه تماماً؛ فأسرفوا في قتل الوالدين والغدر بهما، وأصبحوا يفخخون المصاحف الشريفة ويُدخلون الأسلحة للحرمين الشريفين، في قضايا متطاولة أبانت عن خطاباتٍ دينيةٍ منحرفةٍ قلبت فئاتٍ من الشباب إلى مجرمين عتاة يستهدفون الإسلام والمسلمين.
في المقابل، فقد ظل خطاب المسلمين القديم الموروث من عهد النبوة قائماً، بحثاً عن مزيدٍ من العبادة والتقرب إلى الله، عبر التوحيد والصلاة والصدقة والحج والعمرة وجميع أنواع البرّ، وكذلك عبر التجارة المشروعة واكتساب الرزق في مواسم الدين ومناسبات الإسلام، وقد جاء في سورة الحج: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍّ عميقٍّ»، ثم جاءت الآية «ليشهدوا منافع لهم» وهي منافع الدين ومنافع الدنيا.
والمنافع الدنيوية من المواسم الدينية، جاء بإثباتها القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الفقهاء، تأكيداً على أن دين الإسلام ليس دين دروشةٍ ولا انقطاعٍ عن الدنيا، ويمكن للباحث الجاد والمؤرخ المدقق أن يرصد تطوّر «مفهوم الزهد» في الإسلام، وكيف تعاظم وتوسّع وانتشر بعد العصر الراشدي والقرون المفضلة حتى باتت المؤلفات فيه تزيد وتتوسع بعيداً عن التوازن في العهد النبوي والراشدي، تماماً كما جرى مع الصوفية وغيرهم في التعامل مع مفاهيم أخرى توسعت كثيراً، وبلغت مراحل من الغلو والتطرف حتى «عاد بعضها على أصله بالنقض»، كما هو التعبير المعروف في علم أصول الفقه.
من «شهود المنافع» ما جاء في النصوص الشرعية وما جرى في عصور الإسلام المختلفة، وما يجري اليوم مثله من تسيير حملات الحج والعمرة داخلياً وخارجياً برعاية الدولة السعودية وتنظيماتها المختلفة، وكذلك من تبرعات المحسنين وأعمال الخير من تفطير الصائمين وكفالة الأيتام وبناء الأوقاف وبذل المعروف وتحصيل الزكوات وجمع الصدقات، وتوزيعها بطريقةٍ آمنةٍ وبإشراف الدولة على مستحقيها.
وتدخل في هذا السياحة الدينية، فالدولة السعودية وعلى مدى عقودٍ من الزمن لم تألُ جهداً في إنفاق المليارات لخدمة ضيوف الرحمن، وهي المتشرفة بخدمة الحرمين الشريفين، وهي القادرة على استقطاب المليارات للاستثمارات المتعددة في المواقع المقدسة في مكة والمدينة والمشاعر، والمسلمون من كل مكانٍ يرغبون حقاً في الاستثمار في هذه المواقع المقدسة، ويرغبون في دعمها تجارياً واقتصادياً، كما يرغبون في التملك فيها تعبداً وطلباً للأجور في المواسم المقدسة، مما يُمكّن من صناعة اقتصادٍ حيويٍ مزدهرٍ ينفع الناس ويمكث في الأرض.
يصح هذا في الاستثمار في مشروع «على خطاه» الذي جرى فيه استثمار ضخمٌ لرصد مسار الهجرة النبوية علمياً، وتهيئته لتمكين كل زائرٍ من قطعه حسب خياراتٍ متعددة، ويصح في غار حراء وغار ثورٍ وغيرهما، وكم كانت المعاناة كبيرةً قديماً بين من يسعون لتتبع خطى النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) ومن يمنعون ذلك، فكانت المشقة والمخالفات والصراعات، ولكنها اليوم باتت منظمةً ومرتّبةً، تسمح بالاطلاع والفهم للسيرة ومواضعها، وتمنع الصدامات وتُحذر من الانحرافات.