زلزال «مراكش» وطوفان «درنة»

زلزال «مراكش» وطوفان «درنة»

المغرب اليوم -

زلزال «مراكش» وطوفان «درنة»

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

الضحايا بالآلاف والمصابون مثلهم، في كوارث طبيعية لم تخلُ من مشاركة الإنسان بقصدٍ وبغيره، ومصائب البشر هي محل التعاطف التام إنسانياً ومحل المساعدة الممكنة والعاجلة، وقد أصبح التعاطف عاماً بانتشار وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والمساعدة ممكنة بسبب تطور آليات عمل المنظمات الدولية.

وفاة إنسان واحدٍ جراء هذه الكوارث مصيبة، ولكن الأرقام المعلنة أكبر بكثيرٍ، ما يجعل المصاب جللاً في المدينتين، مراكش المغربية ودرنة الليبية، ورغم أن ما أصاب مراكش وما جاورها زلزالٌ طبيعي ومساحته الجغرافية كبيرة وتأثيراته واسعة فقد قُدّر عدد الضحايا بـ3000 والمصابين بـ5000 والأعداد ليست نهائية، بينما في درنة الليبية ذات المساحة الضيقة نسبياً ونتيجة لإعصار «دانيال» وانهيار السدود فقُدر عدد الضحايا بـ11000 والمفقودين بـ10000 والمهجرين بـ40000، وإنما كتبت الأعداد بالأرقام لا الحروف ليتضح الفارق الكبير بين الحادثتين وأثر كلّ منهما.

في زلزال المغرب كان للبنية التحتية والعراقة التاريخية أثرٌ في الكارثة؛ فالمغرب بلدٌ معرقٌ في التاريخ، وكثير من مبانيه تُعدّ من الآثار المهمة لقدم الحضارة الإنسانية فيه، والمباني البعيدة عن المدن يتوارثها أصحابها لعقودٍ من الزمن، وبالتالي فهي لا تحتمل الزلازل القوية، وغالب ضحايا الزلازل إنما يأتي من المباني، والمناطق التي ضربها الزلزال ليست مهيأة لمثله، كما في اليابان على سبيل المثال، حيث المباني بُنيت في الأساس لتواجه قوة الزلازل التي تصيبها عادة بشكل متكرر، وهذا شأن يصح في أي قراءة للبنية التحتية لأي بلدٍ بحسب طبيعته، وأذكر قبل سنواتٍ تعطل النقل العام في لندن، بسبب تساقط الثلوج وسخرية طفلة قادمة من السويد ومعتادة على الثلوج من هذا الحادث الغريب.

في درنة الليبية كان دور الإنسان أكبر، فتشكل إعصار في البحر الأبيض المتوسط ليس أمراً معتاداً ومتكرراً، ولكن ثمة تحذيرات سبقته، وأهم من هذا أن السدين المقامين على الوادي الذي يصبّ في درنة قديمان، وصيانتهما ليست بمستوى قيمتهما، وهما غير مهيأين لمواجهة أمطارٍ غزيرة في وقتٍ قصير جداً، وأمرٌ آخر هو أن بعض المباني قد بُنيت في مجرى سيل الوادي، الذي، وإن كان جافاً لأزمنة طويلة، فإن البناء في مجاري السيول خطرٌ محدقٌ، وإن تطاول الزمن.

يتداول السعوديون وغيرهم حِكَماً متوارثة تتحدث عن خطر البناء في مجاري السيول، وأن «السيل يدل مجراه»، وتحذر من الاعتداء على «حرم وادي السيل»، وهذه الحكم هي خبرة السنين التي تتوارثها الأجيال، ويستوي في هذا سكان الحواضر والبوادي في مقولاتهم وتصرفاتهم تجاه مجاري السيول على مر التاريخ.

ليس بين المآسي تفضيلٌ، ولا في المصائب شماتة، ولكن بعض الحوادث، رغم قسوتها، تستوجب التأمل والتعقل؛ ففي المغرب استقرار سياسي ضاربٌ بأطنابه وفي مثل هذا المصاب تتكشف فائدته بسرعة الإفاقة من الحادثة وتجاوزها بأقل الأضرار، بينما الاستقرار السياسي مفقودٌ في ليبيا ذات الحكومتين المتناقضتين الوارثتين لفوضى مستقرة وتدخلات أجنبية لا تنتهي.

قيمة الاستقرار السياسي هي قيمة جوهرية وأساسية في أي دولة أو كيانٍ سياسي على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، ومن دونه لا تكون دولة ولا أمنٌ ولا رخاء، والجدل في قيمته إنما يأتي من التيارات الثورية التي تجعل الثورات قيمة بحد ذاتها، وتمجدها من أي شكل أو لونٍ كانت، وهذا أقرب إلى العبث، ويمكن في منطقتنا تذكّر كيف رحَّبت التيارات اليسارية بثورة الخميني التي يُفترض أنها النقيض لفكرها وتوجهاتها، وقبلها أولع العسكر بالانقلابات العسكرية في العالم العربي، وسموها ثوراتٍ بغرض ترويجها، ولم يجنِ العرب من تلك الانقلابات وعسكرها خيراً.

للتأكيد على قيمة الاستقرار السياسي في مواجهة النكبات والكوارث، فقبل أشهرٍ ضرب زلزالٌ واحدٌ دولتين في شرق المتوسط، تركيا وسوريا، وضرب من سوريا تحديداً المناطق التي تسيطر عليها ميليشياتٌ متعددة مدعومة من جهاتٍ خارجية متنوعة. في تركيا وبسبب استقرار الدولة تجاوزت الدولة والمواطنون آثار الزلزال بسرعة كبيرة، مقارنةً بحال جارتها الجنوبية، بينما في سوريا ما زالت آثار الزلزال قائمة حتى اليوم وتبعاته لم تنتهِ ولم يتجاوزها الناس.

بعكس الدولة المغربية الملكية المستقرة، فإن الدولة الليبية مرت بمراحل مختلفة، من انقلاب القذّافي على الدولة السنوسية والملك إدريس إلى ما كان يُعرف زوراً بـ«الربيع العربي» و«استقرار الفوضى»، والقصة شهيرة حين كان البعض يهتفون: «نريد إبليس ولا إدريس» قبل انقلاب القذّافي 1969، وصولاً لقتل ميليشيا أصولية لمعمر القذافي 2011 بعد فترة حكمٍ دامت لأكثر من 4 عقودٍ، ولم تزل ليبيا تعيش مرحلة «استقرار الفوضى» إلى اليوم، ويعيش مواطنوها في تجاذباتٍ سياسية وعسكرية بين شرقٍ وغرب، والتدخلات الأجنبية في ليبيا لم تتوقف يوماً؛ من دولٍ كبرى وأخرى إقليمية تسعى للسيطرة على ليبيا، وليبيا محل أطماعٍ دائمة، فهي دولة نفطية غنية جداً وذات مساحة شاسعة وتعدادٍ سكاني صغيرٍ، ثم إنها تستطيع تصدير نفطها بعيداً عن المضايق البحرية وإيصاله لأوروبا وكل العالم بسهولة ويسرٍ.

مِن أقبح ما أورثه خطاب الجماعات المتطرفة للمجتمعات لغة الشماتة بالمصائب، فكلما حلَّت مصيبة ببلدٍ علت أصوات خطباء ومفتين ووعاظ بأن ذلك بسبب ذنوب أهل ذلك البلد وكبائر يرتكبونها، وهو خطاب شماتة لا علاقة له بدين الإسلام ولا بمكارم الأخلاق، وكان يُراد به تحشيد الأتباع ورص الصفوف، وهو وإن خفّ فإنه لم ينقطع، وبقيت له شواهد متفرقة بنفس المبررات السابقة وذات اللغة الممجوجة.

بسبب «وسائل التواصل الاجتماعي» فقد تمكن كثيرٌ من الناس حول العالم من مشاهدة مصاب «درنة» في مقاطع مصورة تفطر القلوب وتثير التعاطف، وساعد الاستقرار الدولي في تهيئة الأجواء لسرعة إغاثة تكفلت بكثير منها السعودية ودول الخليج العربي، وبقيت المشكلة الكبرى عدم استقرار الدولة الليبية نفسها التي ما زالت تمنع من اتخاذ أي إجراءات فاعلة لاستيعاب الكارثة والتعامل مع تبعاتها الخطيرة؛ في التعامل مع الجثث والأوبئة التي قد تنتشر في مناطق المأساة.

أخيراً، في مراكش المغربية ودرنة الليبية، ما زالت أرقام الضحايا والمصابين والمفقودين والمهجرين غير نهائية للأسف، والفارق سيكون في التعامل مع آثار الكارثتين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زلزال «مراكش» وطوفان «درنة» زلزال «مراكش» وطوفان «درنة»



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 01:57 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الاكتئاب قد يمرض النفس والعظام أيضًا
المغرب اليوم - الاكتئاب قد يمرض النفس والعظام أيضًا

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib