التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

المغرب اليوم -

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

 

خُلِق البشر بعقولٍ تفكر ومشاعر تحس وعواطف تنحاز، غير أن بعض البشر استطاعوا تجاوز هذه الثلاثية الإنسانية، بشكلٍ أو بآخر، مما خلق منهم أشخاصاً بالغي التميّز والجدارة، إنْ في الخير وإن في الشر، وقد استوى العالم بعد تاريخه الطويل على أن السياسة يجب ألا تخضع للعواطف، بل تخضع للمنطق المحض أو للمصلحة المحضة، أو لهما معاً، ولهذا فليس لدى كثيرٍ من الناس مهما بلغ بهم العلم، وتمكنوا من الثقافة أن يكونوا قادةً، فالقيادة هي طريق المسؤوليات الجسام التي لا يطيقها أغلب الناس.

العظماء يصنعون التاريخ، سلباً وإيجاباً، والتاريخ ليس سهل العراك ولا لين العجينة لكل صانعٍ، بل هو لمن جمع التوازن كل التوازن مع الحكمة كل الحكمة، وهو الطبيعة والمنطق والتراكم، ومن هنا كان مفهوم «التوازن» مفهوماً بالغ الأهمية لدى كل فئات البشر، إنْ في الأديان أو الفلسفات أو الثقافات. وفي الفلسفة كان أرسطو يرى أن الفضيلة تكمن في التوازن بين طرفين متطرفين، وفي الأدب والشعر كثيرٌ من هذا، ومثله في حكم الشعوب وأمثالها.دون الوعي بأهمية «التوازن» سياسياً وثقافياً ومجتمعياً، فإنَّ كثيراً من الكتاب والمحللين يخطئون ويقعون في عماية التيه وغيابة الجب، لأنهم إما يقصرون في تحصيل المعلومة، أو يصبحون أسرى لها فحسب، وإما أن يذهبوا بعيداً في التحليل لتجنب الحدث الصاخب حرباً كان أم سلماً، والالتهاء بجدالاتٍ قديمةٍ، وإما في اللجوء الكامل لخفض سقوف الجدل وبناء الوعي وصناعة المستقبل.

«التوازن» مفهومٌ سياسيٌ يختلف عن معانٍ مشابهةٍ دينياً وثقافياً، مثل مفهوم الوسطية، فالتوازن مفهومٌ مرنٌ للتعامل المباشر مع التطورات بعقلٍ وحكمةٍ، بينما الوسطية مفهومٌ يركز على «التوسط» و«الخيرية» الغيبية، وبالتالي فالمعنيان مختلفان؛ فالتوازن في السياسة مفهومٌ مقياس العقل، بينما الوسطية والخيرية مقياسهما الإيمان.

الحرب الأميركية - الإيرانية اليوم هي حدثٌ كبيرٌ وأمرٌ جللٌ يهم العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه، والتوازن في رؤيتها وفهمها يأتي من بناء التصورات الصحيحة وانتقاء التحليلات المهمة، لا العبثية، مع صياغة التعامل مع المشكلات القائمة، بالإضافة لاستقراء السيناريوهات المستقبلية التي يمكن البناء عليها.

لا يمكن لأحدٍ فهم «التوازن» واستقطار «الحكمة»، ما لم يكن ملمّاً بالعلم المطلوب والمعرفة الحقيقية والوعي الواسع القادر على اكتناز الكثير للخروج بالقليل.

حين تسكن الرداءة عقلاً أو تشكل سياسةً، كما هو الحاصل اليوم في أنحاء كثيرة من هذا العالم، فإنَّ كل شيء يتمّ تحويله إلى مستوى معين من «التفاهة»، حتى يمكن التعامل معه، إن في السياسة أو الثقافة أو الإعلام أو غيرها من المجالات الاجتماعية والإدارية.

الرداءة لها شروطٌ تختلف تماماً عن شروط «التوازن» و«الحكمة»، وشروطها ثلاثةٌ رئيسةٌ، هي السرعة والحسم والشهرة، بحيث تصبح كل «أزمة» أو «حربٍ»، مهما كانت معقدةً أو شائكةً، وكل «فكرةٍ» عميقةٍ أو «مفهوم» متشعبٍ، لا تحتاج لأكثر من سرعةٍ وحسمٍ وشهرةٍ حتى تنتهي في لحظتها، ويمكن فهمها بشكلٍ مبسطٍ عبر مشاهدة الفيلم الأميركي الهوليوودي: «لا تنظر للأعلى».

العلم والمعرفة والاشتغال بالفكر والفلسفة تدفع باتجاه الهدوء والتعقل، وتعزز لدى الإنسان وتعلي من قيمة البحث والتنقيب، وتعزز مهارات التدقيق والتمحيص، وهذا ما يحتاج إلى صبر وجلد ووقت، وهذا تحديداً ما ينافي السرعة والحسم والشهرة للذين يطرحون أفكارهم ورؤاهم بشكلٍ متسرعٍ وقطعيٍ، وغالباً ما تكون أحكامهم أبعد ما تكون عن الصحة والصواب، ولهذا فهم يتناقضون دائماً تجاه نفس القضية في وقتٍ قصيرٍ، بينما أصحاب المعرفة تذهب بهم غالباً إلى التفكير النسبي الذي هو لصيق بالتفكير العلمي، وهو الذي يدفع لطرح التساؤلات وبناء المقارنات وتعديد الخيارات، وهو ما يعيدنا لمفهومي التوازن والحكمة.

إنَّ فقدان التوازن والحكمة من أكثر ما يفضح هذه الظاهرة منهجياً وعلمياً، لأنها بسبب السرعة والحسم والشهرة تضطر لتبني المتناقضات، وتستطيع جمع الأضداد بنفس الحماسة والانتشار، دون شعورٍ بأي خللٍ منهجي، ومن أوضح الأمثلة على هذا تلك الحملات «السوشيالية» المنظمة لها غاياتٌ تريد الانتهاء منها، وهي لذلك تحتاج كثيراً لجمع السطحيين وتمجيدهم ودعمهم وإعطائهم مكانةً ليست لهم، وبالتالي تتفشى «التفاهة» في المجتمعات باعتبارها سبيلاً سريعاً للشهرة والانتشار وربما للنجاح والتميّز، بحسب هذه المعايير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة



GMT 18:26 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

يوم النصر الكبير

GMT 18:23 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التأمُّل في المسألة العوضية

GMT 18:18 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

الحرب... ونفوسنا المصابة بالخَدَر

GMT 18:12 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

جنازة شعبية فى زمن «المحمول»

GMT 18:09 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

المفاوضات والمساومات في حرب «هرمز»

GMT 18:06 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

السياحة قصة أكبر

GMT 01:48 2026 السبت ,09 أيار / مايو

هكذا نجح محمد بن سلمان

شيرين عبد الوهاب تستعيد بريقها بالأحمر في ظهور جديد يعكس الثقة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 18:39 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 18:29 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 12:57 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس السبت 26-9-2020

GMT 17:04 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 18:57 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 19:37 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

بكتيريا الأمعاء تهدد الصحة العقلية

GMT 11:00 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

سعد سمير يهنئ عمر جابر بمولوده الجديد

GMT 16:25 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مجموعة صناعة الطيران الإسبانية "أسيتوري" تستقر في المغرب

GMT 14:57 2020 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ليلى علوي تنعي وفاة زوجها السابق منصور الجمال

GMT 11:31 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

سعد لمجرد يدخل باب "الدراما" عبر "كارت أخطر"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib