الخيال وخلق الثروة

الخيال وخلق الثروة

المغرب اليوم -

الخيال وخلق الثروة

آمال موسى
بقلم - آمال موسى

 

إنّ موضوع خلق الثروة والرهان على الاستثمار ودوران عجلة التنمية من الموضوعات الرئيسية المطروحة على طاولات العالم العربي والإسلامي، حتى ولو كان ذلك بشكل متفاوت من حيث التركيز والاستعداد. والغالب على خطاب كيفية خلق الثروة التشديد على المال والإطارات المتخصصة والبنية التحتية للبلد من طرقات وشبكات اتصال ووسائل نقل... وطبعاً كل هذه المسائل أساسية وعلى غاية من الأهمية، ومن ثم فإن عدم توفرها سيشكل عائقاً للتنمية والاستثمار وخلق الثروة.
غير أنه في مقابل ذلك هناك معطى لا نطرحه فوق طاولات رسم المقاربات وتحديد استراتيجيات خلق الثروة، وهو معطى يتعلق بعلاقة الخيال بخلق الثروة.
نعم، للخيال دور كبير جداً في خلق الثروة لأن خلق الثروة فكرة خلاقة ومبدعة أيضاً، وكي تنبثق الفكرة لا بد من خيال حر ومبدع يولّد الأفكار الجديدة والبصمة الفريدة الخاصة التي تجعل بلداً ما قِبلةً العالم أكثر من بلد آخر.
لا تقدُّم ولا تنمية ولا استثمار من دون خيال خلّاق ومبدع. وأول ما يشدّنا في أي منتج وخدمة إنما هي اللمسة الإبداعية الخاصة التي أنتجها خيال أصحابها.
صحيح أن العولمة أوقعتنا في الفخ وكبحت جماح الخيال وغرست في أذهاننا فكرة أن أقصى ما هو مطلوب هو أن تكون شبيهاً للغير المتقدم الذي استحق فرض خياله الخاص على الجميع، ولكنّ هذا الفخ يجب أن نغادره إذا أردنا فعلاً التميز والبحث في ذواتنا عن ذاتنا. وفي هذا السياق تتأكد أهمية تحرير العقل الذي يتبعه تحرير للوجدان والخيال، الأمر الذي يتيح للفرد التحليق في خياله وإنتاج الأفكار الخلاقة التي هي أصل التقدم... فكل شيء بدأ فكرة غير مألوفة.
ولنضرب مثالاً على دور الخيال في خلق الثروة وهو المجال السياحي؛ فالسياحة هي مصدر للاستثمار في الجمال والراحة والترفيه والخدمات ذات الجودة والتراث المادي والرمزي والاستثمار أيضاً حتى في نمط العيش والأخلاق والقيم، إذ الشعوب التي تتميز بمنسوب مرتفع في العنف لا تكون وجهة الباحثين عن الاستمتاع بالحياة والاستجمام. كما أن السياحة أيضاً تمثل استثماراً في كل ما هو إيجابي في البلد بدءاً من الطقس والفنادق وصولاً إلى الاستقرار وتوفر مستلزمات أنموذج بلد يحلو فيه العيش، أي إنه قبل أن يكون أي بلد وجهة الغير من المنطقي أن يشعر فيه أصحاب البلد ومواطنوه وسكانه بحلاوة العيش.
وكما نعلم فإن السياحة باتت رئة أساسية تتنفس من خلالها اقتصادات بلدان عدة، لذلك فإن المنافسة على أشدها إلى درجة يمكن الحديث فيها عن حرب أسواق في مجال السياحة ومَن الأقدر على تقديم الأفضل للأفواج السياحية. ويبدو لنا أن المنافسة تتطلب إطلاق العنان للخيال ليُنتج الأفكار الفريدة ويحقق التميز الذي يساعده في تحسين الأداء في المنافسة وافتكاك النصيب من الثروة.
ما نلاحظه أن غالبية الفنادق في بلداننا باتت على شاكلة الفنادق الأوروبية من حيث المعمار والهندسة الواحدة المتكررة مع فارق التصنيف من حيث عدد النجوم. وهنا نتساءل عن دور الخيال في توظيف المعمار العربي وتعدد إبداعاته في البلدان العربية.
فعندما نبني فنادق حاملة لخصوصية المعمار والبناء في بلداننا فذاك أكثر جاذبية للسياح الذين يأتون إلينا لاكتشاف ثقافتنا ومطبخنا وطريقة حياتنا لا ليجدوا نسخة من فنادقهم وأكلاتهم، وحتى الموسيقى المرافقة في مقاهي الفنادق هي أيضاً أوروبية كأن قانون الفندقة يمنع وضع الموسيقى المحلية المعبِّرة عن روح البلد.
هناك إهمال كبير للخيال وللخصوصية وإقصاء غير مفهوم لرأس المال الرمزي الخاص بنا والذي لا يخلو من جمال، وهو القصد من السياحة في العالم؛ فالسياحة لاكتشاف العوالم الأخرى وأنماط العيش الأخرى والمطابخ الأخرى وأنواع الجمال الأخرى.
وما ذكرناه بخصوص مجال السياحة ينطبق إلى حد كبير على مجالات كثيرة، وهو ما يصنع الفرادة، أي العملة الصعبة الحقيقية التي لا تتأثر بتقلبات البورصة العالمية.
إن قرار الانخراط في خلق الثروة والاستثمار والسعي إلى الخروج من بوتقة استهلاك منتجات الغير والتقليد، من المهم أن يوازيه أو يسبقه قرار تحرير الخيال في بلداننا وتمكين الأطفال والشباب من الأطر التي تساعدهم على تحرير الخيال وتشكيله وفق الحرية كي يبدعوا الأفكار ويبتكروا وتكون قدرتهم على إنتاج الحلول كبيرة ومتنوعة. لذلك فإن الاستثمار وخلق الثروات عادةً ما يرتبط بالشباب لجرأته ومعاصرته واستعداده للتغيير أكثر من الفئات العمريّة الأخرى.
بين الخيال والاستثمار لخلق الثروة عالم شاسع من الأفكار الأولى من نوعها في صورة تجسيدها على الجذب والاستقطاب. فالفكرة هي الخالقة للثروة وباقي العناصر تعد آليات تحقيق الفكرة وتأمين مسار التحقق.
كلما كان الخيال غنياً وحراً كان خلق الثروة عناءً ومتعةً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخيال وخلق الثروة الخيال وخلق الثروة



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib