الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

المغرب اليوم -

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما

بقلم:حازم صاغية

في واحد من وجوهها تقوم لعبة البازل على تفكيك الأشياء أو الأنظمة ثمّ إعادة تركيبها. والعالم اليوم، منظوراً إليه من مسرح الحرب ومن ضفافه، يبدو هكذا.

ففضلاً عن التحوّلات الاقتصاديّة التي قد تستجرّها الحرب، في أوروبا كما في أميركا والشرق الأوسط، خصوصاً ما ترتّبه أسعار الطاقة، فضلاً عن أكلاف الحرب نفسها، وإلى جانب دور صينيّ لا يزال فرز غامضه عن واضحه يشغل عقولاً كثيرة، هناك تيّارات عريضة تستعرض نفسها في «الغرب» ذاته. فحلف الناتو الذي رافقنا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، يعيش تصدّعاً غير مسبوق، سيّما بعد المساجلة الترمبيّة ضدّ أوروبا عن مضيق هرمز والمساهمة في فتحه، وهو ما تزيده تأجيجاً شخصيّة ترمب ولغته.

وهو انشطار لا تُقاس به حرب العراق في 2003، خصوصاً وأن بريطانيا وبلدان أوروبا الوسطى كانت في صفّ أميركا يومذاك، ما أعطى الأخيرة غطاء أوروبيّاً لحربها.

ويتفرّع العنوان الكبير هذا إلى عناوين يتّصل بعضها بصورة أوروبا المقبلة، سيّما وأنّ حرب أوكرانيا لا تزال تحتفظ بطاقة استنزاف هائلة، وإن حجبتها راهناً حرب إيران. ويتّصل بعض العناوين بالقوى السياسيّة والفكريّة على جانبي الأطلسيّ. فاليمين الأوروبيّ الأقصى، الذي سلّم زعامته لترمب، يعيد النظر بهذا التسليم، فيما اليمين الأميركيّ الأقصى ينقسم حول التسليم ذاته تاركاً للديمقراطيّين الأميركيّين أن يغازلوا ميولاً سبق أن عُدّت راديكاليّة في القاموس السياسيّ الأميركيّ. وإذ يعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أنّه وجيشه يقاتلون من أجل المسيح، يردّ البابا لاوون الرابع عشر، بدون أن يسمّي الوزير الأميركيّ، بأنّ السطوة العسكريّة «غريبة تماماً عن نهج المسيح». أمّا القائلون إنّ أميركا «جُرّت إلى حرب إسرائيل» فينطلق بعضهم، لا كلّهم، من مقدّمات لاساميّة. وفي وسع خطاب كهذا، إذا أتيح له الشيوع والتوسّع، أن يعيد فتح صفحة بشعة ظُنّ أنّها طويت في الغربين الأوروبيّ والأميركيّ.

ولا يبخل العالم العربيّ بالجديد والمختلف. فلو تخيّلنا حرباً أميركيّة وإسرائيليّة على إيران، أو على أيّ بلد إسلاميّ أو «عالمثالثيّ»، في الحقبة الممتدّة بين الخمسينات والسبعينات، لكان من السهل توقّع عناوين صارخة وإجماعيّة من نوع «الجماهير العربيّة تستنكر وتشجب...». أمّا اليوم، ولأسباب عدّة، فتلك العناوين فقدت معناها، وباتت «الجماهير العربيّة» اسماً لكائن افتراضيّ.

والحال أنّ العالم العربيّ يقدّم نماذج في التعامل مع الحرب تشكّلها عناصر عدّة بينها السياسيّ والوطنيّ، وبينها المذهبيّ المؤدلج. فهناك مثلاً النموذج الخليجيّ الذي حكمه مبدأ التوسّط لحلّ النزاع وتجنّب الحرب واعتبار أنّ تفاديها أقلّ كلفة من شنّها. ورغم تعرّض الخليج لاعتداءات إيرانيّة متمادية، يبقى الثابت ما يصلّب الدولة والوطن، وما يضع مصالحهما أوّلاً. وتشارك أنظمةٌ كالمصريّ والأردنيّ الأنظمةَ الخليجيّة انهجاسها بالإبحار إلى شاطىء أمان وسط العواصف المجنونة التي تهدّد علامات الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ.

وهناك النموذج الذي يقدّمه العراق ولبنان من خلال ميليشياتهما المسلّحة. فهنا لا تُعطى الأولويّة للدول والأوطان والمصالح الذاتيّة، بل للولاءات العابرة للحدود، وما يُظنّ أنّه مصالح جماعاتها. لكنْ لئن شارك «حزب الله» في الحرب، مقيماً غرفة عمليّات مشتركة مع إيران، فالكثيرون ساورتهم أسئلة ليست قليلة الدلالة. فلماذا مثلاً كانت الطاقة الحربيّة التي استخدمها الحزب في حرب «إسناد غزّة» مجرّد جزء صغير من الطاقة التي استخدمها في حرب إسناد إيران، ومتى كانت آخر مرّة نسمع فيها، منذ اندلاع الحرب الاخيرة، بغزّة أو بفلسطين؟

والشيء نفسه يمكن قوله في «الحشد الشعبيّ» العراقيّ الذي يقيم، تيمّناً بشقيقه اللبنانيّ الأكبر، دولة موازية للدولة العراقيّة.

وهنا تقول المقارنة الكثير. ففي حرب 2023 شاركت بعض فصائل الحشد بتوجيه بعض الضربات المباشرة، لكنّها ما لبثت أن ارتدعت وأوقفتها في مطالع 2024 تجنّباً منها لـ«عواقب وخيمة» ولـ«إشعال حرب شاملة في العراق». بيد أنّها، في الحرب الراهنة، وتحت مظلّة «المقاومة الإسلاميّة في العراق»، شنّت هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد أميركيّة بوصفها ردّاً على ضربات أميركيّة إسرائيليّة على إيران. كما وجّه الحشد قوافل إلى إيران وُصفت بأنّ مهمّاتها «إنسانيّة»، وسط تقارير متزايدة عن مشاركة الحشديّين العراقيّين في الدفاع عن إيران.

فـ«الجماهير»، هذه المرّة، نازعة للانفصال عن الأوطان ولإحلال التنازع الأهليّ بين جماعاتها. وكما لبنان، كذلك العراق، إذ الكرد العراقيّون، وهم مَن يُفترض أنّهم يشاركون الحشد مواطنيّة الوطن نفسه، يعانون ضربات الحرب التي يشنّها الحشد بحماسة. فمنطقتهم باتت تُعدّ ساحة من ساحات النزاع رغم أنّ قادة إقليم كردستان أكّدوا مراراً أنّهم لا يرغبون فيه، وأنّ ما يريدونه استقرار منطقتهم وحيادها. وهم شدّدوا، مثلهم مثل القادة الخليجيّين، على ألاّ تُستخدم أرضهم قاعدةً لشنّ هجمات على إيران.

وهذه التحوّلات في عمومها ستكون بعيدة التأثير على المنطقة والعالم، وإن كانت نهاية الحرب والشكل الذي يسم تلك النهاية، حاسمين في بلورة ذلك.

أمّا المشرق العربيّ، خصوصاً لبنان والعراق، فيُرجَّح أن يحتفظ لنفسه بالإصابات البنيويّة الأكبر والأخطر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما الحرب إذ تفكّك منطقتنا والعالم وتعيد تركيبهما



GMT 05:00 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 04:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 04:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 04:58 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 04:57 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

GMT 04:55 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

GMT 04:52 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرج السلطنة

GMT 04:55 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

أهليون

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 17:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 13:22 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

الحرب على الديمقراطية

GMT 09:26 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

عصام جعفري من المغرب يحقق لقب "توب شيف العالم العربي"

GMT 12:47 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

كاظم الساهر وماجد المصري يتألقون علىcbc في "مدرسة الحب"

GMT 13:19 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

وكيل وزارة الدفاع الإماراتي يلتقي السفير الهندي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib