لكنّها الطائفيّة أليس كذلك

لكنّها الطائفيّة... أليس كذلك؟

المغرب اليوم -

لكنّها الطائفيّة أليس كذلك

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

لم يُسء إلى فهمنا أحوال المشرق وأحوالنا فيه كما أساءت بضع نظريّات متعاقبة، اختلفت في مصادرها الفكريّة واتّفقت في مؤدّاها العمليّ، فيما كانت الطائفيّة (والإثنيّة) ضحيّة تلك النظريّات الأولى. وإنّما بفعل موقع تلك الطائفيّة من حياتنا وعلاقاتنا، أدّى التجهيل بها إلى تعقيد المعالجة وجعل المعاناة معها أخطر وأشدّ تهديداً.

ففي عقود سابقة سادت نظريّةٌ عمّمها الحكّام، وأغلبهم عسكريّون نشأوا على القوميّة العربيّة، من أنّ الطائفيّة شرٌّ أوجده الاستعمار. أمّا نحن فأبناء «شعب واحد» ينتظر لحظة انبلاج وعيه بهويّته القوميّة. ولم يكن المثقّفون القوميّون أشدّ رأفة بالإثنيّة، فنسّب ميشيل عفلق أمازيغ المغرب العربيّ إلى العرب، وكلّما كان الكرد يذكرون كرديّتهم، كان يذكّرهم قوميّ عربيّ بـ»عروبة» جدّهم صلاح الدين، حتّى كادوا يلفّون رُفات جدّهم بورق ملوّن ويُهدونه إلى القوميّين العرب.

لاحقاً، وعلى أيدي مثقّفين أغلبهم يساريّون، تفوّقَ الفشل في فهم الواقع على الفشل في تغييره. هكذا استُصغر الكلام عن الطائفيّة التي ما هي سوى «تمظهُر» لصراعات طبقيّة، أو نتيجة من نتائج دخول مجتمعاتنا السوقَ الرأسماليّة العالميّة، أو خديعة تمارسها البورجوازيّة لتفتيت الجماهير الكادحة. وبجهد مشترك قوميّ – إسلاميّ – يساريّ، شاعت خرافة أخرى تفيد أنّ الطائفيّة افتئات علينا انكبّ المستشرقون على اختراعه.

وبدورهم، كان هناك دائماً «تحديثيّون» يعوّلون على زمن حياديّ ساذج، معتبرين أنّ العلم وتعاقب الأجيال يبدّدان هذه الآفة «البغيضة» ويضعاننا في صدارة عالم «متمدّن» ينتظر قدومنا إليه.

وها نحن اليوم نرى في الطائفيّة شيئاً أكثر وأكبر من كلّ ما أعلنته تلك الترّهات. وهذا ليس لأنّنا طائفيّون «بطبيعتنا»، لكنّ ما جعلنا كذلك أمواجٌ متلاحقة أمسك القديم منها بتلابيب الحديث. وكان آخر الموجات نمطٌ من الأنظمة التي صادرت الفضاء العامّ كلّيّاً، وتأدّى عن فئويّتها الممزوجة بالقهر استنقاعُ الولاءات وتكلّس الأفكار الاجتماعيّة والتصوّراتِ الدينيّة، وفي الآن نفسه ما يشبه المأسَسَة للولاءات تلك. وقد غرف هذا النمط، الذي جعل كلّ سيّء أسوأ، من بحر سابق عليه في الانقسام العصبيّ لم يمهّد لأيّ مجتمع سياسيّ. لكنّنا، مع ذلك، آثرنا أن ننسى أنّ كتب تاريخنا تكاد لا تقدّمنا إلاّ كعرب وعجم ومَوالٍ وأهل ذمّة، وكحارات يهود ونصارى، وجبال علويّين ودروز. ولئن لم تتعرّض تلك الروابط العصبيّة لما يصدّعها، على النحو الذي عرفه النسق الغربيّ، وسّعت الأنظمة الأمنيّة المذكورة أعلاه الفوارق القديمة وكرّستها بدل تضييقها من ضمن مشروع لبناء جماعات وطنيّة.

بلغة أخرى، ليست الطائفيّة قدراً حتميّاً، لكنّها جُعلت شيئاً قريباً من هذا، وآخرُ التجلّيات ما نراه راهناً في سوريّا. فالنظام المتسبِّب بتعظيمها سُوّي بالأرض، إلاّ أنّه تركها قادرة على إنتاج أنظمة ووقائع تبعاً لعديد العلاقات التي أقامها، ولكنْ أيضاً لعديد الضغائن والأحقاد التي أثارها.

والحال أنّ أبناء الثورة السوريّة وبناتها يعبّرون اليوم، مَدفوعين بوطنيّة أخلاقيّة رفيعة وعادلة، عن انتقاداتهم للوضع الجديد وسلطاته. وهؤلاء، كما هو شديد الوضوح، متجرّدون من ولائهم لجماعة طائفيّة أو عرقيّة، منحازون لقيم يُفترض أن تُبنى الدول على قاعدتها. لكنّ أمر الفعاليّة في مواجهة الواقع المنقسم على أساس طائفيّ يبقى مسألة مشكوكاً فيها، سيّما وقد صحّر النظام الساقط الحياة السياسيّة، فيما وجدت نفسَها النُوى الحديثة والتقدّميّة ضعيفة التنظيم، لا تملك الموقع التفاوضيّ القويّ في مواجهة قوى الطوائف. ويُخشى أن تؤول الأوضاع إلى صدام بين حساسيّتين جائرتين ومُحتقنتين، يصعب أن يزحزحهما ويحدّ من ميلهما العدوانيّ أيّ شيء:

حساسيّة أكثريّة المصدر، «تطمئن» الأقلّيّات، وتهجس بسلطان «عادل»، كما تستأثر بالسلطة بذريعة أنّها الطرف الذي أسقط النظام، ثمّ تمضي في بناء نظام «جديد» قوامه الاستبداد والتغلّب. وهي تفعل هذا استناداً إلى مراجع في الحكم لا يُقرّ سواها بشرعيّتها، فيُصار إلى حصر نطاق السلطة في مُوالين يؤمنون بتلك المراجع نفسها، مندفعين، في ولائهم ليقينهم، إلى ممارسة التعذيب والإذلال بحقّ المختلفين، ناهيك عن الخصوم.

وحساسيّة أخرى أقلّية المصدر، أنانيّة وغير معنيّة بأنّ إباديّة النظام الساقط استهدفت الأكثريّة وحدها، وأنّ عليها بالتالي أن تفعل اليوم ما امتنعت عنه بالأمس، فتتضامن مع ضحايا الإبادة وتحضّ على إرساء عدالة غير انتقاميّة وبيئة وطنيّة أشدّ صحّيّة ونقاء، وهذا فضلاً عن رفع الإبادة إلى ركن من أركان البناء الذي تنهض فوقه سوريّا الجديدة.

صحيح أنّ إيران وتركيّا وغيرهما من الدول تملك مخطّطات ومشاريع تتعارض مع سوريّا المستقرّة البديل، لكنّ التركيز على المسألة الطائفيّة والإثنيّة هو مدخل التعاطي مع التحدّيات، بما فيها المخطّطات والمشاريع. ولربّما أمكن، حرصاً على وحدة الوطن وتنظيماً للتعدّد وضبطاً له في قنوات سلميّة، استلهام ما فعله الانتداب الفرنسيّ خلال 1922 – 1924 حين حوّل سوريّا دولة فيدراليّة. فهنا أيضاً لم يخطىء الانتداب كثيراً، أو أنّه، على الأقلّ، أخطأ أقلّ ممّا فعل مقاوموه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لكنّها الطائفيّة أليس كذلك لكنّها الطائفيّة أليس كذلك



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib