هل تتغيّر إيران الآيديولوجيّة آيديولوجيّاً

هل تتغيّر إيران الآيديولوجيّة آيديولوجيّاً؟

المغرب اليوم -

هل تتغيّر إيران الآيديولوجيّة آيديولوجيّاً

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

إيران تتغيّر؟ ربّما كنّا عشيّة شيء من هذا.

فمنذ مقتل الشابّة مهسا أميني، صيف 2022، بدأت تتزايد علامات التحدّي لإلزاميّة الحجاب، وبعد الحرب الأخيرة تكاثرت فيديوهات التواصل الاجتماعيّ التي تزوّدنا صورَ نساء يتجرّأن على تلك الإلزاميّة، بل يسهرن ويرقصن حاسرات مع أصدقائهنّ الرجال في أمكنة عامّة. وبدورها تتضاعف الألوان في مشهد المدينة على حساب اللون الأسود الذي سبق له أن احتكر المشهد. كذلك تتصاعد الانتقادات العلنيّة المتبادلة بين رموز النظام وأجنحته، في خصوص السياسات الرسميّة والخارجيّة المتّبعة. ولا يتردّد رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان في القول إنّ سكّان بلاده، التي تفوق جميع بلدان العالم تعرّضاً للعقوبات، «جائعون»...

وهذا بالطبع لا يلغي ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسيّة» عن تنديد محقّقين مستقلّين تابعين للأمم المتّحدة بـ«تكثيف عمليّات القمع» في إيران، بما فيها إعدامات واعتقالات وطرد وترحيل لمئات الكرد والعرب والأفغان، فضلاً عن صحافيّين ومواطنين بهائيّين مغضوب عليهم دائماً، لسبب ولا سبب. لكنْ يبدو أنّ القمع هذا بات يرتبط حصراً بشؤون الأمن القوميّ، وفق التآمريّة الوسواسيّة التي تتحكّم بوعي السلطة، وبـ«الاختراقات» التي كشفتها الحرب الأخيرة وتكشفها، فيما أشكال القمع الأخرى «الأخلاقيّة» والتعبيريّة تتراجع على ما يبدو.

وربّما كان الأبعد دلالة في نظام يقوم على «ولاية الفقيه»، ويعتمد قراءة الخمينيّ للتاريخ الدينيّ والسياسيّ، تكريم آية الله الخامنئي مؤخّراً الميرزا محمّد حسين النائيني. وهذا علماً بأنّ المرشد قلّل، بعد الحرب، من ظهوراته العلنيّة. وكان لذاك التكريم وما صحبه من تصريحات تمجّد المكرّم أن أوحيَا، بحسب مقال نُشر في صحيفة «آرمان أمروز» الإيرانيّة (وترجمته ونشرته صحيفة «الأخبار» اللبنانيّة القريبة من طهران) بأنّ السلطة قد تكون أمام مراجعة جدّيّة لفكرها السياسيّ تنعطف بها عن «الاستبداد الدينيّ».

ذاك أنّ النائيني، وأستاذه آية الله محمد كاظم الخراساني، كانا في طليعة رجال الدين المؤيّدين لـ«الثورة الدستوريّة» في 1906، وهما من طوّرا نظريّة مفادها أنّ الحكم الدستوريّ يبقى أفضل الأنظمة السياسيّة ما دام الإمام الغائب غائباً، وما دام نظامه الأكمل غير معمول به.

ولئن لم يُعرف آية الله الخمينيّ بأيّ تعاطف مع «الثورة الدستوريّة» ورموزها، فقد اتّجه تعاطفه إلى رجل الدين الذي يُعدّ أبرز خصومها وخصوم النائيني، وهو آية الله فضل الله نوري. فالأخير هو من اعتبره الدستوريّون أداة في أيدي الحكّام القاجاريّين، وتحديداً الشاه محمّد علي المناهض الشرس لكلّ إصلاح، كما صنّفوه «عميلاً للروس» الذين شاركوا البريطانيّين اقتسام إيران عام 1907. وردّاً على تكفير نوري الدستوريّين وثورتهم، وعلى أفعال وأقوال أخرى كان في عدادها تحريض الرعاع على قتلهم ونهب أملاكهم، حاكمه الدستوريّون ونفّذوا فيه، قبل أن تُهزم ثورتهم، حكم الإعدام.

بيد أنّ النظام الخمينيّ، بعد 1979، هو الذي احتفل بنوري محاولاً بعثه حيّاً، فحُمّل اسمُه لأوتوستراد عريض في طهران ولجداريّة ضخمة، وقدّمته الأدبيّات السائدة بوصفه القائد التاريخيّ الذي تصدّى للغرب وهرطقاته واختراقاته ودافع عن الإسلام والحكم بموجب الشريعة.

ومعروف أنّ أكثر من دفعوا في اتّجاه تكريم نوري كان آية الله مصباح يزدي، أحد أقطاب النظام الإسلاميّ وأحد أبرز تلامذة الخميني الذي أنشأ، بعد الثورة، «مؤسّسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلميّ» كما سمّي عضواً في مجلس الخبراء. ولئن اشتُهر يزدي بتأثيره على قادة سياسيّين في النظام، خصوصاً الرئيس اللاحق محمود أحمدي نجاد، فقد عُرف أيضاً بعبارة شهيرة له، هي أنّ «كلّ من لا يحبّ الحكومة الإسلاميّة يمكنه أن يحصل على جواز سفره ومغادرة البلد». ولأنّ يزدي كان من أكثر آيديولوجيّي النظام آيديولوجيّةً، فقد وُلّي فرز التاريخ الصالح عن التاريخ الطالح، فكانت إحدى أهمّ مساهماته الموغلة في العتم إحياءه شخص آية الله محمّد باقر المجلسيّ وتعاليمه. فالمذكور، الذي عاش في القرن السابع عشر وألّف كتاب «بحار الأنوار» سيّئ الذكر، باتت الحاجة ماسّة إلى أفكاره مع اندلاع الحرب الإيرانيّة – العراقيّة، وطلب النجدة تالياً من الخوارق والمعجزات. ولمّا كان الصفويّون قد حوّلوا مبكراً الشيعيّة ديانةً «قوميّة» لفارس، مستخدمين الإسلام وسيلةً لتوكيد نوع مُتباهٍ من التميّز عن المحيط، كان المجلسي مَن ربط الأئمة ربطاً مُحكماً بالمَلَكيّة الإيرانيّة، وذلك عبر توكيده على زواج قال إنّ الحسين بن عليّ عقده على ابنة يزدجرد الثالث، آخر ملوك الساسانيّين.

وهكذا فتكريم النائيني ليس حدثاً تفصيليّاً صغيراً في نظام بالغ الآيديولوجيّة، كما أنّ تكريماً كهذا لا يستوي مع المضيّ في تكريم خصمه نوري، أو المجلسي، فإمّا تكريم الأوّل أو تكريم الثاني والثالث.

لكنّ تطوّراً كهذا إنّما ينمّ عن اختلال آيديولوجيّ بدأ يصيب بنية آيديولوجيّة لم يمسسها قبلاً تراخٍ كهذا ولا شابَها فتور. وهذا إنّما يستحقّ النظر والمتابعة، إذ ربّما بدأ خوفٌ ما ينتاب بعضاً من حكّام إيران. فقوارب النجاة الصغيرة التي قد تتّسع للركّاب لن تتّسع لحقائبهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل تتغيّر إيران الآيديولوجيّة آيديولوجيّاً هل تتغيّر إيران الآيديولوجيّة آيديولوجيّاً



GMT 19:15 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

لا تنسوا غزة !

GMT 19:03 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

إعصار

GMT 19:01 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 18:58 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

من صدام إلى مادورو

GMT 18:54 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

GMT 18:50 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

سر قوة أمريكا!

GMT 18:49 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بلطجة أمريكية!

GMT 18:45 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

ليس يخلو المرء من ضد

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:14 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

هيغسيث يؤكد دخول 200 عنصر من القوات الاميركية للقبض على مادورو
المغرب اليوم - هيغسيث يؤكد دخول 200 عنصر من القوات الاميركية للقبض على مادورو

GMT 22:21 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

سيلين ديون تنضم إلى تيك توك بفيديو طريف
المغرب اليوم - سيلين ديون تنضم إلى تيك توك بفيديو طريف

GMT 13:59 2025 الخميس ,18 كانون الأول / ديسمبر

انستغرام يطلق تطبيق Reels مخصص للتليفزيون لأول مرة

GMT 18:11 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 09:23 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

جماهير طنجة تطالب أبرشان بالرحيل

GMT 19:44 2022 الأحد ,05 حزيران / يونيو

رونالدو يقود هجوم البرتغال أمام سويسرا

GMT 13:56 2021 الأحد ,05 أيلول / سبتمبر

فوائد أوراق شجرة المورينجا الصحية

GMT 05:25 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

أجمل أنواع وتصاميم ثريات غرف الجلوس لعام 2021 تعرّفي عليها

GMT 11:09 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

سر "ضجيج الطائرات" الليلي في ساكنة شمال المملكة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

حقائب ونظارات من وحي دانة الطويرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib