تعال إلى حيث التشاؤم تعال إلى شوبنهاور

تعال إلى حيث التشاؤم: تعال إلى شوبنهاور

المغرب اليوم -

تعال إلى حيث التشاؤم تعال إلى شوبنهاور

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

ماذا لو صادف واحدُنا وصفاً للحياة والعالم ينتهي بلائحة من الوصايا والنصائح في التعامل معهما تقول فيما تقول:
هذا العالم الذي نعيش فيه مكان بائس جدّاً ومثير للأحزان. أمّا الحياة، كلّ حياة، فهي دائماً تراجيديا، وإنّ تبدّت لنا، متى دخلنا في تفاصيلها، كوميديا. ونحن البشر لا مفرّ لنا من بؤسها وألمها؛ إذ حتّى لو استطعنا تفادي ذلك كان الضجر في انتظارنا بالمرصاد.
وما دامت الحياة بلا معنى، وكلّ شيء على الأرض ينتظر فناءه، فلنحاول وقف لهاثنا وراء الأمور المادّيّة والتوسّع في الإنفاق والبحث عن الترقّي، مقلّلين رغباتنا الطبيعيّة إلى الحدّ الأدنى، ومُضحّين بالمتعة كي نتجنّب الألم، ولننخرط أكثر في الممارسات الروحيّة والتفكّر في معاني الحياة والموت. ذاك أنّ علينا أن نتصالح مع فكرة الموت ومع حقيقة أن كلّ شيء يموت. أمّا الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله فأن نثمّن الجمال والمودّة العابرين في صلتنا بما ومن نحبّ، شرط ألا نتعلّق كثيراً بوجودهم فلا تكبر صدمتنا برحيلهم.
ذاك أنّ السعادة سلبيّة، لا إيجابيّة، وهي، في أحسن أحوالها، لا تُقاس بمتعها وأفراحها، بل بمدى ما توفّره من ابتعاد عن الألم. فلنعمل على خفض توقّعاتنا بلا هوادة؛ إذ الطريقة الأفضل لبلوغ السعادة هي أن نكفّ عن طلبها مُكتفين بمحاولة تجنّب التعاسة. وغير بعيد عمّا قاله الرواقيّون القدامى، يُستحسن توقّع الأسوأ دوماً كي نقتنع بما يلمّ بنا من مصائب، فإذا توقّعنا المصائب أمكننا مواجهة المصيبة التي تداهمنا وكأنّها مجرّد حدث بسيط بقياس ما توقّعنا. وفي هذه الحدود المتواضعة، لا توجد السعادة إلا في نفس صاحبها، فإذا بدا صعباً إيجاد السعادة في النفس، فسوف يكون من المستحيل إيجادها في الآخرين. أمّا الشبّان فعليهم أن يتعلّموا اكتشاف الوحدة في أبكر وقت ممكن. فالوحدة واقع حتميّ كلّما عجّل المرء في اكتشافه عجّل في تحرير نفسه من خوف الوحدة. وأمّا الذين ينوون تيئيسنا، فلنواجههم بأن نكون أصلاً يائسين، ويائسين جدّاً، بحيث نحبط مساعيهم.
... في هذه الأيّام الكئيبة حيث جائحة «كورونا» وحرب أوكرانيا والتردّي الاقتصاديّ والهجرات المليونيّة والانهيارات الوطنيّة لبلداننا...، يضعف المرء أمام جاذبيّة أرثر شوبنهاور، الفيلسوف الألمانيّ الذي عاش في القرن التاسع عشر وزوّدنا تلك الوصايا والنصائح أعلاه، كما زوّدنا العشرات غيرها التي تنتمي إلى الطينة نفسها. والحال أنّ شوبنهاور - الذي عُدّ أحد آباء الفلسفة الوجوديّة، وخصوصاً فرعها الأشدّ تشاؤماً، وترك تأثيره على أسماء من عيار تولستوي وفاغنر ونيتشه وفرويد وكامو وتوماس مان - لم يكن متشائماً بظرف، أو بوضع، أو ببلد. لقد تشاءم بالحياة نفسها، فلسفيّاً وتاريخيّاً ووجوديّاً، ولم يكن تشاؤمه بالطبع عديم الاستناد إلى أساس نظريّ صلب.
فقد رأى بعض دارسيه أنّه أقرب إلى معلّق مشاغب على إيمانويل كانط الذي لم يقتصد في احترامه ومديحه. ذاك أنّ كانط ذهب إلى أنّنا لا نستطيع الوصول إلى الأشياء المقيمة في عالم يتعدّى الظواهر (nomenal)، أي عالم الأشياء بذاتها، أمّا ما نراه ونختبره فعالم آخر، ظاهراتيّ (phenomenal)، ينتشر على مدى المكان والزمان ويستطيع عقلنا أن يتعقّله وينظّمه.
هكذا ساجل شوبنهاور الكانطيّة، معتبراً أنّ العالم الذي نراه لا نراه موضوعيّاً، بل هو تمثيل للعالم بمعنى (representation) صنعته عقولنا. فما من موضوع إذاً دون ذات، فيما الأشياء بذاتها مجرّد تصوّرات وصور. فالعالم بالتالي واحد وليس عالمين، وإن كان مزدوجاً.
وهو رأى ما يعزّز نظريّته في «الأوبانيشاد»، التي كانت قد تُرجمت للتوّ، وهي النصّ الذي يُعتبر أساس تأمّلات الهندوسيّة وروحانيّاتها. فـ«المايا» يعادل العالم الظاهراتيّ عند كانط، فيما «البراهمان» هو الأشياء المقيمة في خفاء ذاتها الجوهريّة. لكنّ الفاهم والمفهوم شيء واحد في «الأوبانيشاد»، كما الذات والموضوع عنده.
فعالم شوبنهاور، الواحد المزدوج، «إرادة وتمثيل»، والشيء بذاته إنّما هو الإرادة أو ذاك الدافع اللاعقلانيّ الذي يشكّل جوهر العالم. فالإرادة هي القوّة الدافعة لكلّ شيء، عضويّاً أم غير عضويّ، حيّاً أو ميّتاً. لكنّ الإرادة تلك سبب آلامنا؛ إذ هي محرّك وجودنا ورغباتنا. فالرغبات التي تبعثها فينا تقود أفعالنا فلا نستطيع الفرار منها، طالما نحن واقعون في فخّ السعي إليها، حتّى إنّ الانتحار، كنفيٍ للحياة، لا يعدو كونه طلباً قويّاً عليها لم يُعطَ للطالب.
والإرادة تعمل في قلب وجودنا كغريزة عنيدة ومثابرة وجبّارة لا تكلّ، أمّا العالم فليس سوى مرآة لها أو تمثيل خلقته عقولنا، وأجسادنا لا تعدو كونها تجلّياً لها، أو أنّ أجسادنا وإرادتنا شيء واحد قُدّم إلينا بطريقتين مختلفتين: الأجساد على شكل تمثيل، والإرادة كتجربة داخليّة مباشرة. إنّها ليست من نتائج العالم، بل العالم من نتائجها، وهي ليست، كما يقول المؤمنون، تجلّياً لله، بل هو تجلٍّ لها بوصفها اندفاعة عمياء، لا هي مقدّسة ولا إحسانيّة، بل قوّة شيطانيّة. إنّها، وفق صيغة أخرى من صيغ شوبنهاور، طبيعة الإنسان الداخليّة الحقّة، غير الموعاة، وغير القابلة للتخريب. وبكلمة باتت تشبه الشعار: إنّ «العالم هو تمثيلي أنا».
لقد انتُقد شوبنهاور بوصفه لاعقلانيّاً، وتعبيراً عن انتكاسة في التنوير، كما بوصفه ريفيّاً أبرشيّاً، ومتأثّراً بالصوفيّة، ومعادياً للحداثة، وما قبل رأسماليّ. وهي في أغلب الظنّ انتقادات مصيبة. لكنْ ربّما كان النقد الأشمل لعموم هذا النهج ولما قد يماثله في مقاربة الحياة ما كتبته هنه أرنت في كتابها «الشرط الإنسانيّ». فعالمة السياسة الألمانيّة الأميركيّة طرحت مفهوم «الوِلَاديّة» (natality)، حيث المهمّ الولادات لا الوفيَات والنهايات. فكلّ ولادة بداية جديدة، يُشقّ بها طريق جديد وفعل جديد في هذا العالم.
صدقت هنه أرنت وكذب أرثر شوبنهاور.
أمّا الأزمنة الكئيبة التي نعيشها فسبب إضافيّ كي نفكّر في البدايات ولا نسير في ركابه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعال إلى حيث التشاؤم تعال إلى شوبنهاور تعال إلى حيث التشاؤم تعال إلى شوبنهاور



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 22:43 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
المغرب اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح

GMT 09:15 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

حيل بسيطة لجعل ظلال العيون يدوم لساعات طويلة

GMT 05:39 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

مجموعة من النصائح لتجعل غرفة نومك مشرقة

GMT 15:59 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الفانيلا وعرق السوس أهم مكونات Le Parfum de Lolita Lempicka

GMT 14:38 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إدريس لكحل ونزهة غضفة يسبقان فوزي لقجع إلى موسكو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib