ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

المغرب اليوم -

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

جبريل العبيدي
بقلم: جبريل العبيدي

أزمة السيادة والمناصب السيادية هي أهم الأزمات الليبية المعاصرة، خصوصاً بعد تصاعد الخلاف بين طرفَي السلطة التشريعية؛ أي «البرلمان المنتَخب»، و«مجلس الدولة» المتمدد عن «المؤتمر الوطني العام» سابقاً وفق «اتفاق الصخيرات»، الذي جعل من بقايا «المؤتمر الوطني» غرفةً استشاريةً للبرلمان الليبي المنتخب، تحت اسم «مجلس الدولة الاستشاري»، ولكن «مجلس الدولة» تجاوز دوره بوصفه غرفة استشارية للبرلمان، ليجعل من نفسه شريكاً للبرلمان في قرارات السلطة التشريعية.

الاتفاق السياسي الليبي في بوزنيقة المغربية نص على توزيع المناصب السيادية السبعة وفق الأقاليم الليبية التاريخية الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان؛ فيكون مقعدان لبرقة، ومقعدان لفزان، و3 لطرابلس، ولكنه منذ بداية الشروع في التطبيق اصطدم بعدم رغبة مؤسسات سياسية رئيسية في تنفيذه، وعلى رأسها «مجلس الدولة» الذي مارس عمليات التعطيل والتأخير في الرد على التفاهمات مع البرلمان، حتى وصلنا إلى حالة الانفراد التي مارسها «مجلس الدولة» في انتخاب رئيس جديد لـ«المفوضية العليا للانتخابات».

ليبيا تشهد مرحلة جديدة من التصعيد بعد قرار «مجلس الدولة الاستشاري» انتخاب رئيس جديد لـ«المفوضية»؛ الخطوة التي فجّرت خلافاً مباشراً مع «مجلس النواب»؛ لأنها حق أصيل له، وأثارت قلق بعثة الأمم المتحدة، التي أكدت أن هذا التصعيد يأتي في ظل عجز مستمر عن التوصل إلى اتفاق الأطراف السياسية، وحذرت من مغبة الإجراءات الأحادية التي قد تفتح باباً جديداً من الانقسام المؤسسي، فـ«المفوضية» تمثل، وفق توصيف البعثة، «إحدى آخر المؤسسات الوطنية التي حافظت على وحدتها وكفاءتها الفنية، رغم الانقسام العميق الذي طال مؤسسات الدولة» جميعها، وانقسامها اليوم سيجعل من المسار الانتخابي أمراً بعيد المنال.

الحقيقة التي يراها جميع الليبيين اليوم أنه لا انتخابات في المدى القريب، أو ربما لا انتخابات أبداً في ليبيا المنكوبة بالفوضى والمراحل الانتقالية وصراع الشرعيات، فـ«مجلس الدولة الاستشاري»؛ المتمدد عن «المؤتمر الوطني» بشكل غير شرعي في السلطة بليبيا، دقّ آخر مسمار في نعش التوافق، معلناً بشكل أحادي رئيساً لـ«المفوضية العليا للانتخابات»، وهو أحد المناصب السيادية التي هي من اختصاص «مجلس النواب»، مما عدّه كثير من المراقبين محاولة انقلابية واغتيالاً للانتخابات في ليبيا، في ظروف صعبة تهدد ليبيا وجغرافيتها السياسية والوطنية بالتقسيم، أمام وجود مشروعات تفتيت المنطقة العربية إلى دويلات لن تكون ليبيا استثناء منها، خصوصاً وهي تمر بتشظٍ سياسي ومؤسسي كبير؛ ليس آخره انقسام «المفوضية العليا للانتخابات»، بعد أن انقسم «البنك المركزي» حتى أصبح الدينار المعدني يُتداول في الشرق، بينما الدينار الورقي يُتداول في الغرب، وهذا لا يقبل ذاك في مناطق نفوذه، كأننا في بلدين مختلفين بحكومتَين وبرلمانَين.

ليبيا منكوبة بنخبة سياسية فاسدة معرقلة، يجمعها البقاء في السلطة وتُفرقها الانتخابات، ولهذا يبقى انطلاقُ صافرة بدء الانتخابات رهنَ مخاوف عرقلتها، بل وحتى منعها بالتهديد، فلم تكن الانطلاقة بالأمر السهل ولا بالهين، ولا أظن الطريق مفروشةً بالورود أمام العملية الانتخابية، في ظل ظهور أصوات ترفع راية المقاطعة، وأخرى تجاهر بالتهديد بمنع الانتخابات، منذ انطلاق عجلة التحضير لها، وأصوات معارضة، جميعها تنتمي إلى «تيار الإسلام السياسي» الذي تتزعمه جماعة «الإخوان» التي أدركت حجمَها الحقيقي في المجتمع الليبي وصعوبةَ حصولها على نسبة تؤهلها للحكم، ولهذا كان انقلاب «مجلس الدولة»، الذي غالبيته من «تيار الإسلام السياسي». وقد سعت إلى انتخاب رئيس لـ«المفوضية العليا للانتخابات» لتضمن تمرير التزوير في النتائج لمصلحة عناصرها.

تجري في ليبيا الآن محاولة للإبقاء على الحالة الليبية الراهنة من المراحل المؤقتة الانتقالية المتعاقبة، من قبل نخبة سياسية فاسدة تحاول اغتيال الانتخابات، واعتادت عرقلة أي شيء ليس مُفصّلاً على مقاس أعضائها؛ مما جعلها تتحالف مع أصحاب المصلحة في تأجيل الانتخابات للبقاء في السلطة؛ الأمر الذي يعدّ عملية انقلابية على المسار الديمقراطي المتعثر أصلاً في البلاد. وبخطوة «مجلس الدولة» المنفردة هذه، فقد فشل واغتيل مشروع الانتخابات.

في ظل هذا التصعيد والعناد والاستقواء بالخارج، لن تضيع فقط المناصب السيادية السبعة، بل ستضيع سيادة الدولة أيضاً في ظل ارتهان قرارها السياسي لعواصم إقليمية وأخرى بعيدة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية



GMT 08:42 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حُب النبي الأكرم

GMT 02:22 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حصاد الفوضى

GMT 02:20 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حسّان ياسين... شرب الحياة لآخر قطرة

GMT 02:17 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

... عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي

GMT 02:14 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السلام من فم الحرب؟

GMT 02:12 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

قوارض غزة تقضم الناس... والأرض

GMT 02:10 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السعودية والحج... جاهزية لا مثيل لها

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 22:12 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

تفاصيل نسبة ملء السدود الرئيسية في المغرب

GMT 20:28 2019 الثلاثاء ,26 آذار/ مارس

أوبر تعدد فوائد استحواذها على كريم

GMT 21:57 2016 الثلاثاء ,27 أيلول / سبتمبر

اتحاد طنجة لكرة السلة يعين خليل الرواس مديرا تقنيا

GMT 20:49 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

كارتيرون يكشف عن إجراء يمنح الفريق الأخضر الفوز

GMT 10:58 2018 الإثنين ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

مجلس جهة الشرق يخصص 335 مليون درهم لمشاريع إقليم تاوريرت

GMT 16:56 2016 الأحد ,25 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على استخدامات زيت جوز الهند في تنظيف الأثاث

GMT 20:46 2016 الخميس ,22 كانون الأول / ديسمبر

بداية جديدة وانفراجات لكنك لن تلمسها إلا تدريجيًّا

GMT 09:57 2023 الجمعة ,21 تموز / يوليو

حكيم زياش يقترب من حمل قميص باريس سان جيرمان

GMT 13:44 2021 السبت ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل إطلالات نجوى كرم الأنيقة لتنسيق إطلالاتك اليومية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib