من المقولات الشعبية التي نضج وعينا السياسي عليها «لا تضعْ كل بيضك في سلة واحدة». وتتأكد الحكمة من هذه المقولة، في ظروف عالمية وإقليمية يسودها الغموض السياسي، والتسويات الظرفية، وضياع الفوارق بين الاستراتيجية والتكتيك.
كمثال، الولايات المتحدة، اللاعب الأقوى على الساحة الدولية، ما عادت تتكلم عن تحالفات استراتيجية عميقة وبعيدة المدى، بل تروّج صراحةً لـ«صفقات» تُعقد لحلّ أزمة هنا وخلاف هناك. وهذا يحدث في عالم تتقزّم فيه وتتلاشى المثاليات والمبادئ السامية أمام المصلحة الخاصة المباشرة.
هنا أحسب أن ثمة متغيّرين وراء هذه الحالة:
الأول، هو سقوط ما بدا لفترة أنه «نموذج أوليّ» لنظام عالمي بديل يخلف «نظام ما بعد الحرب الباردة».
والثاني، هو تسارع التقدم التكنولوجي... وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي بتبعاته الحتمية على مصير الإنسان!
فيما يخصّ المتغيّر الأول، ثمة ارتباك أوروبا التي لعبت عبر التاريخ دوراً أساسياً في صراعات الهيمنة على العالم. وحقاً، كانت أوروبا، بحكم موقعها الجغرافي المجاور لآسيا وأفريقيا، وتأثرها الحضاري بالديانات التي نشأت في غرب آسيا، لاعباً مهماً جداً سواء على صعيد الدين، أو التقدم التكنولوجي، أو الهيمنة الاقتصادية.
لقد شكّل تنصّر الإمبراطور قسطنطين الكبير (306-337 م) بداية «ثقل» أوروبا في تاريخ المسيحية. وبينما أطلقت التقدم التكنولوجي «الثورة الصناعية» بعد فتح المسلمين للقسطنطينية (1453 م) وهجرة علمائها إلى غرب أوروبا، دانت الهيمنة الاقتصادية عالمياً لأوروبا بنتيجة استكشاف القارات واستعمارها.
«أوروبا الاستعمارية» هذه أنجبت، غرباً، الولايات المتحدة الأميركية. وشرقاً، أنتجت حروب إمبراطورياتها، بجانب التناقضات الطبقية التي أفرزتها «الثورة الصناعية»، نشوء آيديولوجيا ثورية حوّلت روسيا إلى ظاهرة سياسية واقتصادية وعسكرية ضخمة اسمها الاتحاد السوفياتي. وبالتوازي، مع التراخي التدريجي للهيمنة الأوروبية الغربية على أميركا اللاتينية بعد حرب الاستقلال الأميركية، أدى نجاح «الثورة البلشفية» التي صنعت الاتحاد السوفياتي إلى تداعيات في مناطق عديدة انتفضت على تلك الهيمنة الأوروبية... على رأسها الصين، ولاحقاً الهند، وطبعاً ما غدت دول آسيا وأفريقيا.
طبعاً، انهيار الاتحاد السوفياتي السابق ولّد مرارةً عند تيارات عديدة داخل روسيا، الكيان «السوفياتي» الأكبر والأساسي. ولعل هذه المرارة كانت أكبر وأقسى عند ذوي الذاكرة القوية والمصالح الأقوى من رجال النظام السابقين.
الزعيم الروسي الحالي فلاديمير بوتين من هؤلاء الرجال.
بوتين، رجل الاستخبارات، والمسؤول السابق في «كي جي بي» بـ«ألمانيا الشرقية» أيام تبعيته لموسكو، ما كان لينسى بسهولة أو لا يتسامح بسهولة مع تبدّل الظروف!
بل كيف يمكن أن ينسى ويتسامح عندما تصل بيارق حلف شمال الأطلسي (الناتو) وصواريخه إلى حدود روسيا؟!
أكثر من هذا، أمثال بوتين لا ينخدعون كثيراً بمماحكات الجدل العقائدي عندما تكون هناك مصالح قومية «سليبة» و«ثأرات» كبرى تنتظر وقتها. ولعله، وهو العليم بـ«كيمياء» السياستين الأوروبية والغربية، عموماً، قرّر الطريقة المثلى للانتقام من الغرب لإسقاط دولته السوفياتية الراحلة.
وبما أن الغرب نجح في إسقاط الاتحاد السوفياتي من الداخل، رغم قدراته النووية المدمِّرة، اختار بوتين لانتقامه أسلوباً مشابهاً يقوم على إسقاط الديمقراطيات الغربية من الداخل. وها هو يفعل هذا، بالضبط، عبر تشجيعه التطرّف الشعبوي والعنصري، ورعايته الإجهاز على التفاهمات العريضة التي كانت حتى اليوم السمة الأبرز لاستقرار هذه الديمقراطيات.
سياسات الكرملين الحالية لا علاقة لها بمُسميات الماضي «السوفياتي» وولاءاته «اليسارية»؛ إذ إن أقرب حلفائه ومناصريه في أوروبا والولايات المتحدة، اليوم، الأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة والعنصرية المعادية للهجرة والأجانب. والواضح أنه كلّما تزايد نفوذ هؤلاء وشعبيتهم، واقتربوا أكثر من تولّي السلّطة، تزايد احتمال الانقسامات الداخلية، واهتزّت الوحدة الداخلية للدول المعنية، ومعها وحدة التحالف الغربي بأسره.
من جهة ثانية، مع الصعود المطّرد لليمين الأوروبي المتطرّف، تخرج أصوات من الولايات المتحدة تؤكد الانقسام الحاصل راهناً في الساحة الأميركية. وكان أبرز هذه الأصوات ما سمعه العالم أخيراً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وما كتبته الأكاديمية والخبيرة الدفاعية ناديا شادلو، من تيار «المحافظين الجدد»، في مقالة نشرتها مجلة «فورين آفيرز».
كلمة روبيو جاءت بياناً سياسياً صريحاً «يبشّر» بنظام أميركي تفرضه واشنطن على العالم، وتسمح فيه لأوروبا بلعب دور الشريك الأصغر في حرب على كل الحضارات والثقافات والديانات المخالفة. هنا لا اعتذار في كلام روبيو عن الماضي الاستعماري بل تزكية له... مع رفض مطلق لفكرة تعايش دولي قائم على القواعد والمؤسسات، وتثبيت لفسطاطي «الخير» و«الشر»، حيث الأول مسيحي أبيض محافظ يدعمه أغنياء التكنولوجيا المتقدمة... بينما الآخرون في الثاني.
فكرة مشابهة طرحتها شادلو، عندما أشارت إلى التناقض بين «نظامين تشغيليين» في عالم اليوم. وأردفت أن الأول يدّعي أن القضايا الملحّة الأساسية لا تُحل إلا عبر «منظومة عالمية» و«فوق كيانية» وأنظمة متعددة الأطراف والاتجاهات، أما الثاني فيؤمن بأن «الدولة - الأمة» تظل أساس الشرعية السلطوية والتحرّك الفعّال.
وبعد سرد طويل للتحديات الكبرى، كظاهرة الهجرة والجوائح وبروز الصين، اعتبرت شادلو أن الجدل لم يعُد نظرياً، بل صار التناقض بين «العولميين» و«الكيانيين» جلياً، بالأخص، في النقاش السياسي الحاصل بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وتابعت أن القيادة الأميركية الحالية باتت تشكك في جدوى بقاء المؤسسات العالمية، في حين يواصل القادة الأوروبيون التشديد على أهميتها للمحافظة على «نظام ما بعد الحرب الباردة». وخلصت بنصح واشنطن و«الدول الديمقراطية الأخرى» بالكف عن احترام «النظام العالمي المتحجّر» وإيجاد حلولها الخاصة للأزمات الدولية.
مثيرٌ جداً... عالمنا اليوم!