بقلم : طارق الشناوي
علاقة البلد الذى يقام المهرجان على أرضه بأفلام المهرجان تحمل الكثير من الالتباس وتحتمل كل التفسيرات. ربما إجابة تييرى فريمو المدير الفنى للمهرجان الأشهر أراها هى الأمثل (كان ليس فرنسيا هو فقط مهرجان يقام فى فرنسا) وهكذا امتدت تخوم المهرجان لتحتضن العالم كله.
عندما تستعيد الشراكات الإنتاجية فى جزء لا يستهان به من الأفلام فى كل تظاهراته، ستجد رأسمالا فرنسيا، تلك الأفلام حتى لو نطقت بالفرنسية فإن ما يمنحها خصوصية أنها تتناول قضية محلية للبلد الذى تجرى الأحداث على أرضه، والدعم المادى يظل له علاقة بالمشروع السينمائى، وليس أبدا بالضرورة التوجه السياسى.. عندما نختار الأفلام، يصبح الترمومتر هو الاكتشاف، وهذا العام ستجد مساحة أكبر للسينما الأفريقية والإسبانية. واختيار النجمة السمراء المالية الأب السنغالية لأم الفرنسية الهوية، لأول مرة آى هايدارا لتقديم حفل الافتتاح أمس وانتظارها فى ٢٣ مايو لتقديم الختام، يحمل رسالة ناعمة للعالم كله بدون صخب أو مباشرة.
هذا العام لم تسيطر سينما هوليوود بنسبة كبيرة داخل فعاليات المهرجان، إلا أن هذا لا يعنى مثلا اختفاء النجوم الأمريكيين عن فعاليات المهرجان والصعود على السجادة الحمراء. الجمهور الفرنسى مولع بنجوم هوليوود، والفندق الرئيس (الماجيستيك) الذى يقيم فيه أغلب النجوم، تلمح على الصفين، على مدى ٢٤ ساعة يوميا، مئات من المهاويس ينتظرون بالساعات على أمل مشاهدة النجم. مدينة (كان) تعيش كل عام نحو أسبوعين لا تعرف النوم، وتشتعل فيها الأسعار، ويتحقق ٢٠ فى المائة من اقتصاد المدينة فى أيام المهرجان.. ومع انتهاء الأحداث، تشعرك المدينة فى اليوم التالى وكأنها دخلت فى سبات عميق.
فى هذه الدورة التى تحمل رقم (٧٩) وافتتحت مساء أمس بالفيلم الفرنسى الكوميدى (قبلة كهربائية) ولكنها ليست أبدا القاعدة المستقرة، القسط الأكبر من أفلام الافتتاح على مدى تاريخ المهرجان ليس بالضرورة فرنسيًا.
يحرص تييرى فريمو، المدير الفنى التاريخى للمهرجان، على عقد مؤتمر صحفى، قبل ٢٤ ساعة من الافتتاح، وأعلن خلاله أنه يحب صنّاع الأفلام بقدر حبه للنقاد، فريمو عمل مؤرخا فنيا بالصحافة الورقية، أكد حزنه على تراجع الصحافة الورقية فى العالم كله، فريمو مضى عليه ٢٥ دورة، عندما أقبلت الألفية الثالثة، تولى الإدارة الفنية خلفا لجيل جاكوب، وبالطبع ربع قرن ليس بالأمر الهين فى بلد يؤمن بالتغيير، فريمو كما أراه شعلة من النشاط وسرعة البديهة وخفة الظل، ينتقل برشاقة من فعالية إلى أخرى، وله حضوره الشخصى ولا يترك تفصيلة إلا وهو حاضر، يمسك بكل خيوط اللعبة هو صاحب القرار الحاسم، من يمنح المهرجان روحه هو المدير الفنى ويظل رئيس المهرجان فى مكانة أبعد ومهام تنظيمية أخرى، رئيس المهرجان أقرب إلى واجهة رسمية، وتتولى تلك المسؤولية منذ أربع سنوات إيريس كونوبلوخ، روح المهرجان وفعالياته وقبل ذلك (جيناته) الـ(دى إن إيه) تظل كامنة فى المدير الفنى.
بين الحين والآخر يتردد فى (كان) ماذا بعد فريمو؟ الرجل شعلة من النشاط، تجاوز الـ٦٠، محافظا على لياقته الجسدية والفكرية، وأتصور أنه من خلال قفزات النجاح التى يحققها من دورة أخرى، منحته شرعية الاستمرار، حتى إن جزءا كبيرا من الأفلام الفائزة بالأوسكار فى السنوات الأخيرة تكتشف أن انطلاقها الأول وتسليط الأضواء عليه واقتناصها الجوائز بدأ من (كان)، وأمام هذا النجاح الاستثنائى يحظى فريمو أيضا بحالة استثنائية، لأنه لا يكف عن تجديد أفكاره وتحديثها لتواكب ما يجرى فى العالم.
أعتقد أن الكرة فى ملعب فريمو، وربما هو أيضا يسأل نفسه ولماذا اكتفى بهذا القدر، طالما أن كل المؤشرات والأرقام تلعب لصالحه وتؤكد أنه لا يزال يقف على قمة المهرجان الأهم والأشهر فى العالم كله!!.