بقلم : عبد المنعم سعيد
لأن «التغيير» يقف دائما في مواجهة «الجمود» وكأنه طلوع النهار بعد ليل مظلم فإن الحقيقة الإنسانية ترى غير ذلك؛ اللهم إلا في نظر «التقدميين» الذين يرون في عالم «الديالكتيك» الفكري والمادي أن التناقضات تكفي دفعات نارية إلى الأمام. ربما كان الحال كذلك أو لم يكن، ولكن الواقع هو أن لحظات «التغيير العكسي» إلي الأسوأ يظل دائما حالة لابد من التعامل معها. نصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين كانت بدايته وباء كوفيد الذي كان يعني أن البشرية بعد تقدم هائل على طريق المناعة وقفت مذهولة تعيد تركيب حياتها لأنه لا أحد يعرف كيف انطلقت شرارة «الجائحة». ومن جوف البلاء جاءت الحرب الأوكرانية وتلتها حرب غزة الخامسة وتوابعها وتلتها حرب الخليج الرابعة وتوابعها أيضا ومع الاثنين يعيش البشر في حقائق تراجع عندها التاريخ ولم يعد يتقدم إلى الأمام. الشهادة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا بعد الخروج من الاتحاد السوفيتي؛ ومن بعده نشوب القتل الجماعي والتهجير القسري للفلسطينيين؛ والهجوم الإسرائيلي والأمريكي علي إيران، ورد الأخيرة على العدوان ليس علي من قام بالهجوم وإنما على من يبذل الطاقة لمنع نشوب الحرب: دول الخليج العربية.
مجمع الحقائق كلها أدي إلي انهيار مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني وتجاهل أمراض الكوكب وزوال تأثير جميع المنظمات الدولية متعددة الأطراف وأحوال الطبيعة المتدهورة بالاحتباس الحراري تأكل في عظام البشر. التغيير كبير وأحيانا يبدو كما لو كان التاريخ يعيد نفسه؛ ويكفي أن نرى ألمانيا واليابان يعيدان حالة التسلح؛ وأن حلف الأطلنطي الذي أقام الأمن في أوروبا لأكثر من ثلاث أرباع قرن يأخذ طريقه إلي الزوال. ومع الزلازل الكثيرة تبتعد الولايات المتحدة عن أوروبا ومعها جنودها من داخل القارة، وهذه الأخيرة تبحث عن المزيد من التسلح وبعض من الكرامة التي سالت في جنبات البيت الأبيض بعد لقاء في مؤتمر صحفي جمع الرئيس الأمريكي مع رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي.