بريطانيا على موعد مع كلمتين «كما كنت»

بريطانيا على موعد مع كلمتين: «كما كنت»

المغرب اليوم -

بريطانيا على موعد مع كلمتين «كما كنت»

بقلم: سليمان جودة

تبدو بريطانيا من خلال ما يقوله رئيس حكومتها السير كير ستارمر هذه الأيام، وكأنها جندي يؤدي الخدمة العسكرية فلا يملك إلا أن يأتمر بما يسمع. فالذين أدوا هذه الخدمة يعرفون مصطلحاً يشيع استخدامه بين الضابط والجنود المؤتمرين بأمره في أي وحدة عسكرية، وهو مصطلح من كلمتين: كما كنت!

ولا معنى لهما إلا أن على الجندي إذا سمعهما أن يعود إلى الوضع «انتباه» الذي يمثل الوضع الطبيعي للوقوف في الحياة العسكرية. فإذا نودي على الجندي «صفاً» مثلاً، فإن عليه أن يباعد بين قدميه، رافعاً كف يده اليمني مفروداً بحذاء رأسه، ثم يجعله عمودياً على جانب وجهه الأيمن. ولا يكون هذا إلا على سبيل التحية العسكرية للضابط الواقف أمامه. أما إذا عاد الضابط ينادي «كما كنت»، فإن الجندي يعود إلى وضعيته الأصلية «انتباه» التي تعني ضم القدمين، بينما اليدان مفرودتان إلى جوار الساقين بقبضتين مضمومتين.

وفي أفلام الفنان إسماعيل ياسين القديمة، كانت المفارقات بين هاتين الوضعيتين مثاراً للضحك في أكثر من فيلم من أعماله، وكانت مجالاً مفتوحاً تتجلى فيه قدرات إسماعيل ياسين على الأداء الكوميدي.

ومن الكوميديا إلى التراجيديا السياسية نجد أن بريطانيا تعود إلى مراجعة ما كان منها مع الاتحاد الأوروبي، ويخرج ستارمر ليتحدث عن مصالح وطنية لبلاده تتطلب علاقات أوثق مع الاتحاد، ثم عن محاولات بريطانية لإصلاح ما سماه الأضرار الجسيمة لخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد!

نذكر أن خروجها كان في عهد رئيس الحكومة ديڤيد كاميرون، وأن الخروج كان باستفتاء قالت غالبية البريطانيين فيه إنها ترغب في الخروج، فلم يملك كاميرون إلا أن يستجيب، ولم يملك بوريس جونسون فيما بعد إلا أن يأخذ قرار الخروج إلى النور. وهذا معناه أن الخروج لم يكن قرار كاميرون، ولا كان قراراً لجونسون، وإنما كان قراراً للشعب في غالبيته، أي أنها كانت عملية ديمقراطية مكتملة من الألف إلى الياء.

كان رئيس الحكومة البريطاني الأشهر ونستون تشرشل قد قال ما معناه، أن الديمقراطية ليست أفضل نُظم الحكم، وإنما هي أفضل طريقة توصلت لها البشرية في حُكم الشعوب، ويبدو أن ما قاله الرجل كان في محله تماماً.

والمعنى، أن على البشرية نفسها أن تتوصل لنظام أفضل في المستقبل، بل إنها يتعين عليها أن تسعى في هذا الطريق، وإلا، فما معنى أن تجري انتخابات في أي بلد، فلا يفوز بمقعد الحكم إلا الشخص أو الحزب الذي حصل على أكثر من خمسين في المائة بأي مقدار، حتى ولو كان هذا المقدار واحداً في المائة أو ما هو أقل. وفي المقابل يخسر الشخص أو الحزب الذي حصل على أقل من خمسين في المائة بأي مقدار، حتى أيضاً ولو كان هذا المقدار واحداً في المائة أو أقل!

هي قاعدة ديمقراطية يتوافق عليها العالم الحديث والمعاصر، وربما عالم ما قبل التوصل للمبادئ الديمقراطية بشكلها الذي نعرفه، ومع ذلك فهي قاعدة غير عادلة؛ لأنها تأخذ بما يراه نصف الشعب تقريباً في أي استفتاء أو انتخاب ديمقراطي، ولا تُلقي بالاً إلى النصف الآخر من الشعب الذي قال «لا» في صندوق الاقتراع. ويظل سوء حظ هذا النصف الآخر، أن الذين قالوا «لا» كان ينقصهم عدد قليل جداً ليكونوا مكان الذين جلسوا في مقاعد الحكم!... تماماً كما أن الذين جلسوا في مقاعد الحكم زادوا عدداً قليلاً جداً على النصف!

هذه قضية تظل مثيرة للتساؤل والدهشة مع كل استحقاق ديمقراطي، وفي آخر استحقاق من هذا النوع في حزب الوفد المصري على سبيل المثال، فاز الدكتور السيد البدوي برئاسة الحزب بفارق ثمانية أصوات عن المرشح الخاسر الدكتور هاني سري الدين.

بالعودة إلى بريطانيا تبدو وكأنها تعتذر للذين قالوا «لا» وقت الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فلم يلتفت إليهم ولا إلى عددهم أحد، رغم أنهم كانوا بالملايين، ولكن ذلك لم يشفع لهم في شيء أمام القاعدة الديمقراطية غير العادلة إياها: قاعدة الأغلبية!

فالأغلبية هي كلمة السر في الديمقراطية كعملية سياسية، وأمام كلمة الأغلبية يلتزم الجميع الصمت، ويجلس الذين لم يكونوا ضمن هذه الأغلبية يجترون آلامهم وأحزانهم، ثم يتساءلون عما إذا كانت الديمقراطية عادلة حقاً، وهي تأخذ بما تأخذ به في كل حالاتها، ولا تبالي بما لا تبالي به في كل حالاتها أيضاً؟

من زمن ديڤيد كاميرون في 2016 حين جرى الاستفتاء، ثم منذ الأخذ بنتيجته في زمن بوريس جونسون، تظل بلاد الإنجليز وكأنها بقيت في الوضع «صفاً» بالتعبير العسكري، وعلى سبيل التحية للغالبية التي قالت «نعم» للخروج من الاتحاد الأوروبي، فإذا بها تعود بعد حديث ستارمر عن علاقات أوثق مع الحلفاء الأوروبيين، وعن معالجة للأضرار الجسيمة للخروج، وكأنها ترجع إلى الوضع: انتباه!

بقيت بريطانيا على مدى سنوات منذ الخروج الفعلي في الوضعية «صفاً»، فلما تكلم السير كير ستارمر عما تكلم عنه كان كمن يقول للشعب الذي جرى استفتاؤه: «كما كنت»!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريطانيا على موعد مع كلمتين «كما كنت» بريطانيا على موعد مع كلمتين «كما كنت»



GMT 08:42 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حُب النبي الأكرم

GMT 02:22 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حصاد الفوضى

GMT 02:20 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حسّان ياسين... شرب الحياة لآخر قطرة

GMT 02:17 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

... عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي

GMT 02:14 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السلام من فم الحرب؟

GMT 02:12 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

قوارض غزة تقضم الناس... والأرض

GMT 02:10 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السعودية والحج... جاهزية لا مثيل لها

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 01:27 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

البرهان يكشف عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل
المغرب اليوم - البرهان يكشف عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل

GMT 12:45 2016 السبت ,08 تشرين الأول / أكتوبر

حيكر يتصدر نتائج اقتراع الدار البيضاء – أنفا

GMT 05:30 2016 الجمعة ,14 تشرين الأول / أكتوبر

كيمي كراوفورد تؤكد أن ترامب يكره أصحاب البشرة السمراء

GMT 18:13 2016 الجمعة ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خيري رمضان يلتقي عائلة النجم محمد رمضان في برنامج "ممكن"

GMT 15:02 2019 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

عمرو فهمي يُطالب فوزي لقجع بالاستقالة من الاتحاد الأفريقي

GMT 21:47 2019 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

مينا مسعود يتحدث عن أجره في فيلم "علاء الدين"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib