أبواب دمشق

أبواب دمشق

المغرب اليوم -

أبواب دمشق

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

مضى عام على إطاحة نظام الأسد (حافظ وبشار) الذي مضى عليه في الحكم 54 عاماً؛ ولم تكن فرحة الأشقاء في سوريا أقل كثافة في الذكرى عما كانت عليه لحظة البداية. التغيير هذه المرة لم يكن مماثلاً لما كان عليه يوم اشتعال «الربيع السوري» الذي انتهى إلى حرب أهلية متعددة الأطراف والأبعاد، وجاءت النهاية مع دخول دمشق من قبل جبهة المعارضين التي نجحت في عبور المدينة بعد الأخرى، حتى وصلت إلى العاصمة السورية، التي يُطلق على اسمها «الشام»؛ تلخيصاً لإقليم واسع تتحدد تخومه تبعاً للناظرين. دمشق بالنسبة إلى سوريا والشام كانت كما كانت موسكو بالنسبة إلى روسيا في زمن الإمبراطورية والاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية. أحياناً تكون العاصمة - الأموية في هذه الحالة - هي المركز الذي ينبت منه التغيير على بقية نطاق التأثير التاريخي مهما اتسعت أو ضاقت حلقاته. الحكم على ما حدث خلال 12 شهراً لا يزال مبكراً، ولكن الميلاد كان مواتياً عندما نجحت القيادة الجديدة، «الكاريزمية» لأحمد الشرع، في ترسيخ الشروط الخاصة بالدولة «الوطنية» في الخطاب العام، التي تجمع بالمواطنة ولا تفرق، والتي لا يُفصَل فيها السلاح عن السلطة السياسية، والتي ترسخ العلاقة بين أجزاء وطوائف سوريا ولا تفرقها.

في مثل هذه اللحظات الحاكمة في التاريخ، فإن الخطاب وحده ليس كافياً، ورغم الحاضنة العربية التي رحبت بالتغيير في دمشق وجذبته إلى الخليج والجزيرة العربية، وقربته من خلال المصالح المشتركة من الولايات المتحدة وأوروبا وحتى روسيا والصين؛ فإن المسيرة كانت ولا تزال صعبة. فما زال هناك الكثير من العمل بين المركز في دمشق والأطراف في الشمال الشرقي حيث «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وإن وافقت نظرياً على مفهوم الدولة الوطنية، فإنها ظلت مطالِبة بنوع من الاستقلالية لقواتها، ومعها قدر من «اللامركزية» التي لا يعرف أحد حدودها وعمقها. العلاقة مع الساحل سادها توتر ودماء دفعت إلى لجنة تحقيق يكون في تكوينها اعتراف بما حدث، وكيف حدث هذا. الجنوب السوري في السويداء سرعان ما دفع إلى اضطراب الأقلية الدرزية وإعلانها، أو بعض منها، اللجوء إلى الإسرائيليين وهو ما فتح باباً للفتنة ومعها تدخلات إسرائيلية دموية وكارثية تضع السيادة السورية موضع اختبار صعب.

إسرائيل رغم إعلانات القيادة السورية الجديدة عن رغبتها في بناء طريق للسلام السوري - الإسرائيلي، فإن الدولة العبرية نظرت إلى التغيير في سوريا بوصفه فرصة لتعميق الاختلال في توازنات القوى الإقليمية. البداية كانت لحظة التغيير الكبرى بدخول دمشق عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بشن غارات على كل المواقع التي يُعتَقد أنها تحتوي على بقايا الجيش السوري. وتلاها تقدم القوات الإسرائيلية لكي تتخطى الحدود التي أرستها اتفاقية فصل القوات السورية - الإسرائيلية في مايو (أيار) 1974؛ وبعده زحفت ثم طلبت إسرائيل أن تكون المنطقة من دمشق حتى هذه الحدود منزوعة السلاح. وعلى الرغم من العلاقات الودية التي أنشأتها «سوريا الجديدة» مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والتي تأمل دمشق في أن تساهم في رفع الضغط الإسرائيلي عليها، إلا أن التعنت الإسرائيلي ما زال قائماً. لم يكن الواقع في دمشق معفى من التعقيدات الجديدة التي ألمَّت بالصراعات الإسرائيلية مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومع الدولة اللبنانية في ناحية و«حزب الله» في ناحية أخرى.

أزمات العالم لم تكن أقل تعقيداً من تعقيدات إقليم الشام والشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بعد إبرام اتفاق وقف النار بين «حماس» وإسرائيل، سرعان ما انتقلت إلى الملف الأوكراني وتعقيداته الكثيرة. قائمة أعمال الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضعت في مقدمة أولوياتها، التي من مبدئها «أميركا أولاً»، العودة إلى «مبدأ مونرو» الذي يضع أميركا اللاتينية على رأس القائمة الاستراتيجية للولايات المتحدة. آسيا، وفي قلبها الصين، تأتي ثانية، وبعدها أوروبا، ثم الشرق الأوسط الذي يعني بالنسبة إلى سوريا والدول العربية ما الذي سوف تفعله واشنطن إزاء إسرائيل التي لم تضع فلسطين وحدها في فوهة البندقية، وإنما أضافت لها سوريا ولبنان وإيران.

جدول الأعمال أمام «سوريا الجديدة» سوف يتسع كثيراً، حيث أولوياته لا تزال الحفاظ على التماسك الداخلي في انتظار أن يكون الزمن مواتياً لإرضاء الشعب السوري الذي احتفل مرتين بالدولة الجديدة، بحيث تعود أجهزة الدولة إلى العمل، والاقتصاد إلى الانتعاش، والسلم الأهلي إلى الواقع، ومنع شرارة حروب الجوار من الانتقال إلى القلب السوري. عربياً فإن السلام والتقدم السوريَّين جزء مهم من منطقة أعياها الانقسام وتحتاج إلى تفكير عربي جديد حول تحقيق الاستقرار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبواب دمشق أبواب دمشق



GMT 17:07 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

لبنان يرفض الساعة الإيرانيّة

GMT 17:03 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 16:57 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 16:55 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 16:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 16:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

القرصان الأشقر!

GMT 06:34 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

تذكرة المليون

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:51 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تنظيم دوريات رياضية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

GMT 17:58 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية الإسلام في ظاهرة ختان الإناث خلال "الجمعة في مصر"

GMT 16:03 2023 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل العطور الرجالية لهذا العام

GMT 07:04 2019 السبت ,19 تشرين الأول / أكتوبر

وكيل الخارجية الأميركية يزور الإمارات والسعودية

GMT 21:05 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 10:29 2019 الأربعاء ,22 أيار / مايو

اهتمامات الصحف المصرية اليوم الأربعاء

GMT 13:04 2014 الثلاثاء ,22 إبريل / نيسان

كشف سرطان الثدي المبكر ينقذ 90% من الحالات

GMT 00:32 2024 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

أتالانتا ينفرد بالقمة بتعادل صعب أمام لاتسيو

GMT 09:41 2024 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أفضل ألوان الديكور لغرفة المعيشة المودرن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib