إنقاذ الشرق الأوسط

إنقاذ الشرق الأوسط!

المغرب اليوم -

إنقاذ الشرق الأوسط

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

التغييرات الكبرى فى العالم وأقاليمه تكون نتيجة الحروب والصراعات التى كثيرا ما تعطى فرصة لنقلة نوعية تسمح بمرحلة جديدة على مسار التقدم البشرى. المثال المعروف هو الحرب العالمية الثانية التى خلقت بعدها الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها. ورغم كل ما تتعرض له المنظمة الدولية فإن الواقع هو أنه لم تحدث حرب عالمية أخرى، ولم تتعرض مدن للقصف بالقنابل النووية، ورغم الانقسام الشديد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى إبان الحرب الباردة، فلم تحدث بينهما حروب مباشرة. والخلاصة أن العالم بات أفضل حالا، تعليما وصحة وتكنولوجيا، وفيه الكثير من التواصل والبحث عن مخلوقات أخرى خارج كوكب الأرض. انتهاء الحرب الفيتنامية فى آسيا وبعدها انتهاء «الماوية» فى الصين خلق حالة من البحث عن الرخاء، والنفاذ إلى النظام الاقتصادى العالمى لم ينه كل النزاعات الإقليمية والمحلية فقط، وإنما فتح الباب للتعاون الاقتصادى فى ظل «آسيان» الذى أفاض بالرخاء على دول جنوب شرق آسيا التى فى مجموعها تناطح أوروبا فى السبق الاقتصادى، ومن رحمها بزغت الصين كقوة عظمى جديدة لها طريقتها السلمية فى قيادة العالم.

الشرق الأوسط وحده هو الذى بقى على حاله؛ وخلال العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين عانت المنطقة أولا من تراجع الدول الموحدة والمركزية وحل محلها قائمة طويلة من الدول الفاشلة؛ وثانيا تعدد أشكال النزاع والصراع عاكسا التناقض ما بين السنة والشيعة، والصراع على الموارد الطبيعية؛ وثالثا اختلاط الصراعات الإقليمية مع التدخلات الدولية للولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا فى الحرب مع «داعش» التى أسست لدولة الخلافة ودفعت دول إقليمية إلى التدخل فى شؤون دول مجاورة لكبح موجات الإرهاب؛ ورابعا باتت أنماط الصراعات متغيرة من الداخل إلى الإقليمى ومن المنظمات الصغرى مثل «بيت المقدس» فى سيناء إلى «داعش» فى «دولة الخلافة» بينما تقوم روسيا بالدفاع عن نظام بشار الأسد فى سوريا؛ وخامسا ظهر إلى الساحة فواعل اقتصادية جديدة عابرة للحدود ومختلطة مع مافيا الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والآثار. وسادسا كانت المرحلة كلها ذات تكلفة عالية، فقد بلغ عدد ضحايا الربيع العربى 430 ألفا والجرحى 2.5 مليون، والنازحون واللاجئون 14.3 مليون منهم 11 مليونا من السوريين.

خلاصة القول إن العقد كان زمنا للفوضى الكبرى، ولكن بداية العقد الثالث من القرن شهد عودة للتماسك والبعد عن الفوضى ونهاية «دولة الخلافة»، وكانت البداية أن الدول «الملكية» نجت من «الربيع العربى» وتوابعه، وفى قلبه وبفعل وأصالة القوات المسلحة المصرية نجت الدولة من أصولية الإخوان المسلمين؛ ومع منتصف العقد باتت هناك 12 دولة عربية لا تعرف الميليشيات، ولا الحرب الأهلية؛ والأهم أن لديها مشروعا وطنيا متجسدا فى «رؤية» للتقدم إلى المستويات العالمية محطته الأولى فى عام 2030.

لم يعد الشرق الأوسط استثناء من التغيير الذى يجرى فى العالم، وبات مؤكدا بعد عواصف «الربيع العربى» أن الدول التى عرفت كيف تتجنب العاصفة، ونجحت فى مقاومتها، عرفت أن أول الدروس هو الحفاظ على الدولة وسيادتها، وإلا كان هناك انفراط وتمزق وتشتيت. وثانى الدروس كان أنه لا مفر من الإصلاح بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكنه ليس روشتة طريق إلى الفوضى والانقسام الوطنى والتبعية لجماعات ومؤسسات «عالمية» تحت غطاء العولمة. لم يعد يهم آراء وتوجهات «هيومان رايتس ووتش» و«العفو الدولية»، ولا المنظمات الدولية «الحقوقية» الأخرى، ولا أيا من الدول التى تصورت أن نهاية التاريخ حدثت عند بابها. تمثل الدرسان ـ الحفاظ على الدولة والإصلاح ـ فى تجارب دول الخليج العربية ومصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر، بينما ظهر الوجه الآخر القبيح فى العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وفلسطين بأشكال مختلفة كان أشدها قسوة ما جرى من حروب أهلية بدأت ربيعا من الشباب وانتهت شتاء قاسيا ومدمرا.

أولى النتائج فى النظام الإقليمى الجديد للشرق الأوسط كانت استعادة الدولة لدورها مرة أخرى، ولم تحافظ الدول المشار إليها فحسب على وقف مسار التمزق فى الدول العربية؛ بل إنه بات ممكنا أن تمنع محاولة الاستقلال الكردية فى العراق، وانتهت «دولة الخلافة» المزعومة بين سوريا والعراق، والأهم أن حرب غزة الخامسة قادت إلى إضعاف محور المقاومة والممانعة دون القضاء عليه. وربما كان أهم ما جرى أن الإرهاب بدأ فى الانحسار التدريجى فى العالم والشرق الأوسط فى مقدمته. فتح الباب لأشكال مختلفة من التعاون الإقليمى العربى يمكن تسميته «العروبة الجديدة» التى تصبو ليس فقط لسلامها الداخلى وإنما أكثر من ذلك تحقيق الاستقرار والسلام الإقليمى بالتعامل مع معضلات دول الفوضى، ووضع نهاية للصراع العربى الإسرائيلى بتحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية مقابل الاستيعاب والاندماج فى شرق أوسط مستقر وناجح. «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر 2023 كان رد الفعل للتطورات الإيجابية الجارية فى المنطقة، واستفاد كثير من التغيرات العميقة التى جرت فى إسرائيل حينما زاد توجهها إلى اليمين الدينى المتعصب منذ الانتفاضة الثانية؛ ونجاح حكومة نتنياهو فى حصار السلطة الوطنية الفلسطينية من ناحية، والدفع إلى انفصال قطاع غزة عنها بالتعاون مع حماس. القصة بعد ذلك معروفة، والحلقة الفارقة التى تقود لنهاية الحرب هى ما يجرى حاليا فى «شرم الشيخ»، أو أن شيطان الفوضى والعنف والتخلف سوف يسود.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إنقاذ الشرق الأوسط إنقاذ الشرق الأوسط



GMT 16:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 16:52 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 16:50 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 16:48 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 16:45 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 16:42 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

GMT 16:37 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إيران والحزام والطريق

GMT 11:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:02 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

المغربي أيوب الكعبي يهز الشباك في الدوري التركي

GMT 06:31 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:19 2017 الأربعاء ,07 حزيران / يونيو

محمد حماقي يحتفل بمولودته الأولى فاطمة

GMT 02:01 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فاطمة ناصرتشارك بفيلم " مصطفي زاد" في مهرجان قرطاج السينمائي

GMT 13:03 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أبراج تمتلك كاريزما وجاذبية أبرزها الأسد

GMT 08:52 2021 الأربعاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير موعد قمة الوداد أمام الرجاء في "الديربي"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib