دافوس عالم مجزأ في حلقة مفرغة

دافوس... عالم مجزأ في حلقة مفرغة

المغرب اليوم -

دافوس عالم مجزأ في حلقة مفرغة

إميل أمين
بقلم : إميل أمين

اختتمت بالأمس أعمال منتدى دافوس العالمي، والذي انعقد من جديد في توقيته الشتوي، بعد توقف من جراء جائحة كوفيد- 19.
على ارتفاع 1560 متراً فوق سطح البحر، التأم شمل «الطبقة الخارقة»، والتي تدير شؤون العالم، ومن غير أن تلتفت لشجونه بكل تأكيد وتحديد.
الدورة الثالثة والخمسون من دافوس، حملت عنواناً براقاً «التعاون في عالم مجزأ»، لكن الحقيقة بعيدة جداً عن الشعار، ما يختصم من مصداقية الحدث، الذي يتداعى إليه المئات من رؤساء الدول والحكومات، كبار السياسيين والمصرفيين، رجال الأعمال وأصحاب النفوذ.
جاء المنتدى في توقيت يعاني فيه العالم من اعتلال واختلال غير مسبوقين، على أصعدة جوهرية، وربما في مقدمها مناخ الكرة الأرضية الذي بات يمثل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه البشرية برمتها، وليس أدلّ على ذلك من تراجع نسبة الثلوج التي تغطي قمم الجبال حيث ينعقد المؤتمر، حيث أشارت صور الأقمار الصناعية إلى أن الغطاء الثلجي انخفض بنسبة 10 % في المتوسط مقارنة بعام 1971، عندما انعقد الاجتماع السنوي الأول للمنتدى الاقتصادي العالمي.
يعن لنا أن نتساءل: ما السبب في أن عالمنا بات مجزأ، بحسب العنوان العريض للقاء العمالقة؟
الجواب يدور في فلك غياب العدالة الاجتماعية، الأمر الذي أكدته وحققته منظمة «أوكسفام» التي تركز على فكرة تخفيف الفقر والمعاناة عند ملايين البشر.
في ذات يوم افتتاح المنتدى صدر تقرير «أوكسفام» بعنوان «البقاء للأغنى»، ما يعكس حالة الداروينية الاجتماعية السائدة في عالمنا المعاصر، ومدى الضرر الذي تلحقه بأقنان الأرض.
الأرقام الواردة ليست مثيرة فحسب، بل خطيرة بدرجة غير مسبوقة، ذلك أنه رغم العطب الكبير الذي أصاب قارات الأرض الست مؤخراً، فإن مليارديرات العالم ضاعفوا ثرواتهم في العقد الأخير، حيث تجاوز دخل الأثرياء الذين يشكلون 1 % من سكان العالم 74 % ضِعف دخل الـ50 % الأفقر.
ومنذ عام 2020 ارتفعت ثروات المليارديرات بمقدار 2.7 مليار دولار يومياً، حتى مع تجاوز التضخم لأجور 1.7 مليار عامل على الأقل في شتى أنحاء العالم.
يقر رئيس المنتدى، يورغه بريندي، أن منتدى هذا العام «يأتي في ظل وضع جيوسياسي وجيواقتصادي هو الأكثر تعقيداً منذ عقود».
لكنه لا يقدم جواباً شافياً وافياً عمن يقف وراء هذا التعقيد، لا سيما على صعيد المشهد الروسي - الأوكراني، حيث «الناتو» برأس حربته، الولايات المتحدة الأميركية، وبالتبعية القارة الأوروبية العجوز، لا ينفكّان ينفخان في نيران المواجهة العسكرية بحجة حتمية هزيمة القيصر بوتين، ومن غير أدنى دالة على البحث في مخارج لإنهاء الحرب.
يكاد العالم يفقد سلامه، وقرع الخطوب، يقود من غير مواراة ولا مداراة إلى فكرة المواجهة العالمية، لا سيما النووية، وبخاصة بعد أن أخفقت الأمم المتحدة في العام المنصرم في تقليص مساحة الانتشار النووي، وعلى الأبواب اليوم عدة دول مرشحة للدخول إلى النادي النووي من جديد.
أكبر المستفيدين من دافوس هذا العام، ليسوا فقراء العالم، بل الأوكرانيين، الذين استغلوا غياب روسيا بالمرة، والتمثيل الضئيل للصين، التي باتت مهمومة بأزماتها الداخلية.
توجه الأوكرانيون إلى مئات الشخصيات السياسية الكبرى، بدءاً من المستشار الألماني أولاف شولتز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وصولاً إلى ينس ستولتنبرغ، أمين عام حلف الأطلسي، وعلى اللسان دعوات لا تتوقف طلباً للمزيد من السلاح والمال، لتمديد أجل الحرب المشتعلة.
يتساءل أي محلل له مصداقية عن النتائج التي خرج بها المنتدى لتحسين اقتصاد العالم، سيما أن تقرير المخاطر العالمية السنوي الصادر عن المنتدى عينه، وقبل انعقاده ببضعة أيام، أظهر مخاطر جدية ستخيم فوق سماوات الكرة الأرضية في العام الحالي، من ركود وأزمة تكلفة المعيشة وضائقة الديون المتصاعدة.
أما البنك الدولي فقد خفض قبل أسبوعين توقعاته للنمو لمعظم البلدان، محذراً من أن الركود أصبح قريباً من العالم بشكل خطير.
المحصلة النهائية هي المزيد من التصريحات، والرطانة اللغوية، والمزيد من الإنشاء عن اللزوميات والينبغيات، ومن غير إجراءات حقيقية فاعلة على الأرض، لتحسين الأوضاع وتغيير الطباع.
ما يحدث في دافوس، هو عينه المتعلق بمؤتمرات المناخ العالمي، حيث الوعود الوهمية بمليارات الدولارات من الدول الصناعية الكبرى، التي تسببت في حالة الاحتباس الحراري، لنظيرتها الفقيرة التي تدفع أكلافاً باهظة من حياتها اليومية.
أحد أهم وأخطر التحديات التي تواجه العالم بعد المناخ، والحرب الكونية المرتقبة بدرجة عالية، تأتي قضية الغذاء والجوع في العالم، والمرتبطة جذرياً بالطاقة، وسلاسل الإمداد والتوريد.
لم تعد الحلول الجزئية، أو قصيرة الأمد تصلح لانتشال العالم من وهدته، كما أن البراغماتية الاقتصادية للسبع الكبار، لا تأخذ في اعتبارها احتمالات ارتفاع معدلات التضخم، تباطؤ النمو الاقتصادي.
بدت كذلك قضايا الاضطرابات المجتمعية، وثورات الجياع والمعوزين، بعيدة عمن يتطلع لإيجاد حلول لها، حتى توصيات «أوكسفام» لم تجد آذاناً صاغية من الكبار المنشغلين بمراكمة الثروات.
لم يصدر قرار واحد قاطع من عظماء دافوس يقضي بضرورة تمويل انتقال الدول النامية في مجال الطاقة، وتسديد التعويضات عن الكوارث الطبيعية المواكبة لتغير المناخ، ولم يقر البيان الختامي للمنتدى دول الجنوب، أو بقية دول العالم الفقيرة.
أفضل وأصدق تعبير عن أسباب العالم المجزأ، والذي يعيش حرباً عالمية ثالثة مجزأة، والتعبير للبابا فرنسيس، هو ذاك الذي صدر عن البروفيسور كلاوس شواب، مؤسس المنتدى، وفيه «أن نقص التعاون الدولي يؤدي إلى سياسات قصيرة الأمد وأنانية، الأمر الذي يعني الدوران في حلقة مفرغة، ومن غير مقدرة على الخروج من الأزمات».
حقيقة دافوس التي لا غش فيها، تناولها بصدق الصحافي الأميركي بيتر غودمان، صاحب كتاب «رجل دافوس.. كيف التهم أصحاب المليارات العالم»، وفيه يقول إنه «خلال أربعة أيام في جناح خاص في أحد فنادق منتجع دافوس، يمكن عقد صفقات أكثر مما يفعلون في أشهر من الرحلات حول العالم».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دافوس عالم مجزأ في حلقة مفرغة دافوس عالم مجزأ في حلقة مفرغة



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:52 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
المغرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib