هل باتت المخاوف بشأن الجنس البشري دافعاً رئيساً للتفكير بعمق في استئناف أعمال استيطان الفضاء الخارجي؟
وراء التساؤل المتقدم التصريحات التي أطلقها الملياردير الأميركي إيلون ماسك، بشأن تحويل شركته العملاقة «سبيس إكس» تركيزها على بناء «مدينة ذاتية النمو على سطح القمر»، مشيراً إلى أنه من الممكن تحقيق ذلك خلال أقل من عشر سنوات.
ماسك أبلغ مستثمريه بأن شركته ستعطي أولوية للوصول إلى القمر أولاً، وأن 2027 هو الموعد المحدد للهبوط هناك من دون رواد فضاء.
لا يعني ذلك أن أحلام ماسك التي شاعت وذاعت خلال السنوات الخمس المنصرمة، بشأن بناء مستوطنات على سطح الكوكب الأحمر (المريخ)، قد توارت، بل لا تزال على خريطة أعمال شركته، وغالب الظن أنه سيرسل مركبة إلى هناك بنهاية العام الحالي.
هل من تطورٍ ما جديد يدفع ماسك إلى إنجاز ما وعد به، وبسرعة في التوقيت عما كان مقرراً؟
غالب الظن أن استحواذ شركته «سبيس إكس»، التي تدير شبكة من الصواريخ الفضائية والأقمار الاصطناعية، على شركة «XAI»، الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والمصنعة لروبوت الدردشة «غروك»، قد فتح مسارات وعزز مساقات سريعة لغزو الفضاء، عبر منظومة الحوسبة الكمومية، والرقائق الذكية، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام محاولات ارتياد الكواكب المحيطة، وعما قريب السكنى فوق أراضيها، وربما صحاريها.
تصريحات ماسك الخاصة بمشاريعه الفضائية لا يمكن بحال من الأحوال أن نفصلها عن تحذيراته التي أطلقها قبل أيام، مؤكداً فيها أن البنية التحتية للطاقة حول العالم يمكن أن تنهار خلال أقل من ثلاث سنوات، بسبب الضغط الهائل الذي يفرضه التوسع المتسارع في أنظمة الذكاء الاصطناعي على شبكات الكهرباء الأرضية.
لم تعد تلك الأنظمة في واقع الحال ترفاً فكرياً يمكن لبعضهم أن يُقبل عليه، فيما آخرون يضربون عنه، بل باتت حقيقة مؤكدة تترسخ الحاجة إليها يوماً تلو الآخر، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى حروب الأجيال القادمة، والتي ستحال فيها الأسلحة التقليدية من طائرات ودبابات وغواصات إلى التقاعد، لتحل محلها حروب النانو تكنولوجي، المرتكزة إلى قاعدة علمية للذكاء الاصطناعي.
لا يغالي ماسك في تقديراته، لا سيما أن استهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي للكهرباء بلغ 480 تيراواط (ألف مليار واط) ساعة عالمياً في 2025، بزيادة نسبتها 35 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع توقعات بأن يتضاعف هذا الرقم بحلول 2028 إذا استمر النمو الحالي من دون تحسينات في كفاءة شبكات الطاقة.
هل استيطان الفضاء ومدن ماسك يستنقذان شبكات الكهرباء فوق سطح الكرة الأرضية من المآلات التي تنتظرها؟
بحسب صاحب «سبيس إكس»، يبدو الحل متمثلاً في نقل جزء حاسم من القدرات الحاسوبية إلى الفضاء. وتتضمن مبادرته كذلك إطلاق مليون قمر اصطناعي صغير إلى المدار المنخفض، على أن تكون الأقمار مزودة بوحدات معالجة مركزية تعمل مباشرة بالطاقة الشمسية، مستغلة بذلك ثبات الإشعاع الشمسي الذي لا ينقطع في الفضاء الخارجي.
يخطر لنا التساؤل: هل طرحُ ماسك الأخير سببه الوحيد هو الخوف من نقص كمية الطاقة الكهربائية، والتي تحتاجها البشرية في قادم أيامها لتشغيل شبكات ذكاءاتها الاصطناعية؟
من أهم وأشهر النداءات التي أُطلقت بهدف لفت انتباه البشرية لأهمية الفضاء الخارجي، ذاك الذي فاه به الفلكي والعالم الأميركي كارل ساغان (1934-1996)، حين اعتبر أن «حياة الإنسان أغلى من أن تتقيد بكوكب واحد. وكما أن أجناس الحيوان تزيد من فرص بقائها بالانتشار والهجرة إلى مناطق مختلفة، فإن على البشرية أن تستكشف في نهاية المطاف عوالم أخرى، من أجل مصلحتها الخاصة على أقل تقدير».
يبدو استيطان الفضاء في حاضر أيامنا فرضاً لا نافلة، انطلاقاً من العديد من المرتكزات، ربما في مقدمتها «الفكر المالتوسي»؛ أي زيادة أعداد البشر بمتوالية هندسية، فيما الموارد الطبيعية تزداد بمتوالية عددية، وهذا يخلق صراعاً غير تقليدي بين البشر.
يمكن للإنسانية في لحظة من الجنون وسخونة الرؤوس أن تفني نفسها عبر حرب نووية، هذا فضلاً عن المخاوف الإيكولوجية التي يمكن أن تذهب بما تبقى من عقلانية للطبيعة؛ تلك التي انتقلت من الاحتباس إلى الغليان. ويضاف لما تقدم سلاسل الصخور والكويكبات التي يمكن أن تفتك بالكوكب الأزرق في لمح البصر.
هل طروحات ماسك فرصة لبشرية متعاونة في طريق إنقاذ النوع البشري عوضاً عن صراعات الفناء والاضمحلال؟