غياب المرشد الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

المغرب اليوم -

غياب المرشد الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

نديم قطيش
بقلم - نديم قطيش

في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ. ليس هذا المسار مجرّد تبدّل في المصطلحات أو اللغة، إنّما انهيار صامت لأولى قلاع الحصانة الرمزيّة في الأنظمة الشموليّة.

منذ بدأ الحديث العلنيّ عن استهداف المرشد الأعلى في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران علي خامنئي، في سياق حرب الأيّام الـ 12 الإسرائيليّة على إيران، خرج القائد من منطقة المقدّس الذي لا يُمَسّ، ليدخل في مختبر الاحتمالات التقنيّة لدى المحلّلين والخصوم وحتّى الأنصار.

إنّ ما نشهده اليوم يتجاوز مجرّد التصعيد في خطاب الخصوم، إلى كونه تحوّلاً جذريّاً في النظر إلى جوهر السلطة السياسيّة في إيران. قتل “تطبيع” الحديث عن نهاية المرشد، وتداولها كخيار سياسيّ بارد، الأسطورة التي كان يستمدّ منها النظام ديمومته. سقطت سلطته ذهنيّاً قبل أن تسقط مادّيّاً، وتركته عارياً أمام لغةٍ لم تعد تهابه، وواقعٍ سياسيّ بدأ بالتشكّل بمعزل عن وجوده الجسديّ على قيد الحياة. فـ”صاحب السيادة المطلقة” الذي لا يُمَسّ، بات مجرّد مشكلة تقنيّة، من بين مشاكل أخرى، يُناقَش حلّها، أو حتّى التخلّص منها، كخيار سياسيّ مطروح على طاولة البحث.
في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ

تعرية قاسية للقداسة

لا يقتصر الأمر على انخراط العواصم الكبرى، من واشنطن إلى تل أبيب، في رسم سيناريوهات “ما بعد خامنئي” علناً. تعدّى ذلك إلى حراك القوى السياسيّة في إيران، المعارِضة والموالية، التي تصنع خياراتها في ضوء واقع قيد التشكّل، هو هذه الإيران الجديدة ما بعد المرشد.

لنتذكّر أنّ حصانة خامنئي استندت لعقود، إلى ركيزتين تداخل فيهما الدنيويّ بالغيبيّ. الأولى هي الردع العمليّ المتمثّل في كلفة الاستهداف الباهظة لرأس نظام سياسيّ ثوريّ قادر على الإيذاء، والثانية هي القداسة الرمزيّة بوصفه نائباً للإمام الغائب (المهديّ المنتظَر) وأحد أرفع رموز المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ في العالم. غير أنّ هذا “اللاهوت السياسيّ” الذي شكّل وعي الحكومات والأجهزة الأمنيّة والاستخباراتيّة بخصوص إيران والخيارات المتاحة بشأنها، تعرّض لعمليّة تعرية قاسية، بدأت مع تصفية قاسم سليماني ثمّ حسن نصرالله، لتكسر منطق “الرعب المتبادل”. الخلاصات كانت واضحة: الأيقونات التي كان يُظنّ أنّها لا تُمسّ، تحوّلت إلى أهدافٍ، من دون أن يستتبع ذلك خراب العالم.

في بعد آخر، كرّست هذه الاغتيالات فكرة أنّ الحصانة التي يمنحها المخبأ أو التخفّي ليست علامة على القوّة، بل هي اعتراف ضمنيّ بالهزيمة الرمزيّة. فبينما ينسحب خامنئي إلى فضاءات أكثر تحصيناً تحت وطأة التهديدات، فإنّه ترسخ في الوجدان الجمعيّ صورة “القائد المحاصَر” الذي ينتظر نحبه كمن سبقه، لا “القائد المنتصر”. هذا الانتقال من الشرفة العامّة إلى التحصينات الجوفيّة، هو انتقال من التاريخ إلى الجغرافيا، حيث يصبح الحفاظ على الحياة البيولوجيّة للقائد غاية في حدّ ذاتها، على حساب الحفاظ على حضوره السياسيّ ومعناه.

يُدخِل هذا التحوّل خامنئي في ما يمكن تسميته بـ”منطقة القذّافي”، أي تلك المنطقة الرماديّة التي يقرّر فيها اللاعبون الدوليّون والداخليّون أنّ بقاء الزعيم أصبح عبئاً فائضاً عن الحاجة. في هذه المنطقة، يعيش خامنئي في “زمن مستقطَع” بعد أن أصبح موته “مُسعّراً” سلفاً في حسابات الربح والخسارة الإقليميّة، أو إجراءً إداريّاً تأخّر تنفيذه.

الأدهى من ذلك أنّ الدائرة الضيّقة المحيطة به، لا سيما جنرالات الحرس الثوريّ، وكبار المستشارين والبيروقراطيّين، بدأوا ما يُمكن تسميته بالخلافة الاستباقيّة، حيث يتحوّل الولاء للقائد إلى مجرّد مقدّمة لضمان الموقع والمصالح والدور ما بعده. فخلف أبواب “الإستابلشمنت” الإيرانيّ المغلقة لن يكون مستغرباً أن يتوقّف المسؤولون عن طرح سؤال “كيف نحميه؟”، إذ إنّ ما يهمّ الأجنحة المتصارعة الآن هو كيف تحمي حصّتها في الإرث بعده؟

فعندما تصبح تصفية القائد مادّة لنقاش تقنيّ بارد، يسقط النظام في فخّ الجمود الهيكليّ، حيث تظلّ المؤسّسات (الحرس، الباسيج، القضاء) تعمل بكفاءة ميكانيكيّة، لكنّها تفتقر إلى الروح المحرّكة التي يضفيها القائد المقدّس. هذا الانفصال يجعل من الدولة ماكينة ضخمة تدور حول نفسها في فراغ، بانتظار لحظة الارتطام بالواقع.

تتجلّى سخرية القدر هنا في أنّ “تطبيع” الحديث عن قتل خامنئي قد يمنحه، للمفارقة، عمراً أطول. فبما أنّ الجميع قد استعدّ نفسيّاً ومؤسّساتيّاً لرحيله، تراجعت حدّة الاستعجال لتصفيته، وقد تُفتح، بسبب من ذلك، أبواب التسوية السياسيّة، على أن يُترك للطبيعة أن تتولّى النهاية البيولوجيّة لزعيم انتهى في الواقع السياسيّ لبلاده، أو يكاد.
عندما تصبح تصفية القائد مادّة لنقاش تقنيّ بارد، يسقط النظام في فخّ الجمود الهيكليّ، حيث تظلّ المؤسّسات (الحرس، الباسيج، القضاء) تعمل بكفاءة ميكانيكيّة

دولة بلا رأس؟

بيد أنّ هذا الواقع يلقي بثقل قاتل على الدولة الإيرانيّة، لأنّ الكلفة السياسيّة للانتظار، ستجعل من الجمهوريّة الإسلاميّة “بطّة عرجاء”، تجاوزت وجود المرشد ذهنيّاً، ولكنّها لم تتجاوزه تماماً في الواقع.

ففي سياق جيوسياسيّ لا يرحم، لا تكمن الكلفة السياسيّة لهذا الانتظار في ثمن الوقت الضائع، بل في التآكل المستمرّ لشرعيّة القرار السياسيّ في إيران.”البرزخ” الذي تعيشه الدولة الإيرانيّة يعني أنّ المسؤولين في طهران، والقادة في الحرس الثوريّ، وحتّى الخصوم في الخارج، يتعاملون مع السلطة القائمة بوصفها “إدارة تسيير أعمال” لعهدٍ انتهى افتراضيّاً، بانتظار إعلان الوفاة رسميّاً، مع ما يقود إليه ذلك من سيولة في الولاءات داخل الأجنحة، وتجميدٍ للمبادرات الاستراتيجيّة الكبرى التي تحتاج إليها البلاد للخروج من المأزق.

يشبه برزخ الانتظار الإيرانيّ هذا، في ملامحه الكبرى، لحظة ستالينيّة متأخّرة، حين كان الاتّحاد السوفيتيّ يُدار بهيبة رجل تضاءل حضوره الفعليّ لصالح بيروقراطيّة قلقة تحضّر لمرحلة ما بعده.

في تلك اللحظات، تتقلّص وظيفة القرارات السياسيّة إلى مجرّد محاولات لتأجيل الانهيار، ممّا يحوّل الدولة إلى “متحف سياسيّ'” يسكنه شعب يتطلّع إلى الخارج، ونخبة تترقّب ساعة الصفر.

هنا يكمن جوهر المفارقة التاريخيّة الكبرى التي تعيشها إيران الخمينيّة. فهي في نظر العالم “دولة بلا رأس” فعليّ، رغم وجود خامنئي في مركزه، وهي في “مرحلة انتقاليّة” طال أمدها في نظر شعبها، ممّا يجعل كلّ قرار يصدر في البلاد اليوم يبدو وكأنّه صدى من ماضٍ مضى، وليس صياغة لأيّ مستقبل.

في نهاية المطاف، لم يعد السؤال هو “متى سيموت خامنئي؟”، بل “كيف ستحكم إيران نفسها بعد أن قُتلت فكرة المرشد في وعيها الجمعيّ؟”. لقد تحوّل خامنئي من قدر إلهيّ إلى عقبة زمنيّة، وفي اللحظة التي تساوى فيها بقاؤه مع رحيله في موازين التخطيط الاستراتيجيّ، تكون أُسدلت الستارة على آخر وأطول فصول الثورة الإسلاميّة في إيران.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غياب المرشد الاغتيال اكتمل قبل وقوعه غياب المرشد الاغتيال اكتمل قبل وقوعه



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
المغرب اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib