هل يسخر التاريخ منا ٢
البرلمان الفرنسي يفشل للمرة الثامنة في التصويت لحجب الثقة عن عن حكومة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو الرئيس التركي يشدد في إتصال مع ترامب على ضرورة وقف إطلاق النار وتطبيق اتفاق الدمج في سوريا وزارة الصحة الفلسطينية في غزة تحذر من كارثة إنسانية مع إنتظار 20 ألف مريض السفر للعلاج بسبب إغلاق معبر رفح إحالة الإعلامي عمرو أديب إلى المحاكمة الجنائية بتهمة سب وقذف مرتضى منصور قوات اليونيفيل تحذر من تهديد الهدوء في جنوب لبنان بعد تسجيل آلاف الانتهاكات للقرار 1701 إيران تستدعي السفير الإيطالي لديها للاحتجاج على مساعي الاتحاد الأوروبي لفرض قيود على الحرس الثوري الاتحاد الاوروبي تمنح شركة غوغل مهلة مدتها ستة أشهر لرفع الحواجز التقنية أمام مساعدي بحث الذكاء الاصطناعي حرائق الغابات تلتهم أكثر من 30 ألف هكتار في باتاجونيا بالأرجنتين وفاة المدرب السابق لمنتخب روسيا لكرة القدم بوريس إغناتيف عن 86 عاما بعد صراع مع مرض السرطان إثيوبيا تعلن انتهاء تفشي فيروس ماربورغ بعد 42 يومًا دون إصابات جديدة
أخر الأخبار

هل يسخر التاريخ منا؟ (٢)

المغرب اليوم -

هل يسخر التاريخ منا ٢

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

مات الفرعون الصغير توت عنخ آمون دون أن يترك وريثًا لملك الأسرة الثامنة عشرة، أعظم أسرة حاكمة فى تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم والتى يصفها المؤرخون وعلماء الحضارات القديمة بأنها العصر الذهبى للحضارة المصرية، والتى بدأت بالنجاح فى تطهير أرض مصر من الهكسوس المحتلين، وانتهت بالملك توت عنخ آمون الذى حاول أن يصلح ما أفسده أبوه أخناتون وإعادة مجد أجداده، فراعنة مصر العظام من أحمس وحتى جده أمنحوتب الثالث، ولكن كانت شمس هذه الأسرة قد غابت دون أمل فى أن تعود. حكم أى ومن بعده حورمحب وكل منهما لا ينتمى لملوك الأسرة الثامنة عشره الا بالمصاهرة، وقد فشلا كذلك فى أن يترك أى منهما وريثًا يحكم مصر، حتى اعتلى عرشها القائد العسكرى رمسيس معلنا تأسيس أسرة جديدة وعودة ما يعرف بالملوك المحاربين أو الفراعنة الذين قادوا الجيوش وحاربوا دفاعًا عن أرض أجدادهم ويصبح القائد العسكرى هو الملك رمسيس الأول مؤسس الأسرة التاسعة عشرة.

كان من المتوقع حسب قواعد المنطق والتاريخ أن تختفى ذكرى الملك توت عنخ آمون بوفاة آخر من عاش فى عصره أو آخر من يحمل اسمه فى ذاكرته!، وكل الإشارات التاريخية اللاحقة لوفاة الملك توت كانت تعضد تلك الفرضية حيث سرعان ما قام خلفاؤه على العرش بمحو اسمه من على عمائره وآثاره غير المكتملة، ووضع أسمائهم عليها بعد استكمالها. كذلك لم يجد الفراعنة اللاحقون أن اسم توت عنخ آمون يستحق أن يوضع على القوائم الملكية التى تخلد أسماء فراعنة مصر!، ومن أشهر الأمثلة على ذلك، قائمة الملوك بمعبد سيتى الأول بأبيدوس. فعندما قام فرعون مصر رمسيس الثانى، ثالث ملوك الأسرة التاسعة عشرة، باستكمال معبد أبيه سيتى الأول، صور نفسه هو وأباه وهما يحرقان البخور ويقدمان القرابين ويتلوان الصلوات على أسماء فراعنة مصر بدايةً من مؤسس الحضارة المصرية فى الأسرة الأولى، الملك مينا، وحتى حكم الملك سيتى الأول، وتجاهلت القائمة اسم توت عنخ آمون كما تجاهلت اسم أبيه أخناتون، ومن قبلهما اسم الملكة حتشبسوت، كونها امرأة لا يحق لها أن تحكم باسم حورس، عنوان الملكية فى مصر القديمة.

وعندما قام المهندس المعمارى الخاص برمسيس الثانى باختيار موقع مقبرة الفرعون أوقعه الحظ فى مكان يجاور مباشرة مقبرة توت عنخ آمون الصغيرة والمختفية أسفل ركام الفيضانات بالوادى، ليس هذا فقط بل إن أمام مقبرة رمسيس الثانى تقع المقبرة رقم ٥٥ والتى دفن بها أخناتون!، ولو كان رمسيس الثانى يعلم بمن هم جيرانه فى وادى الملوك ما كان بالطبع وافق على هذا المكان.

وبعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة على وفاة الملك توت واختفاء ذكراه تظهر فى بدايات القرن العشرين آثار قليلة أهمها إناء من الفيانس الأزرق لا يتعدى ارتفاعه ستة سنتيمترات، إضافة إلى آثار أخرى تحمل اسم الملك المجهول وتشير إلى احتمالية دفنه بوادى الملوك لكن أين؟، كان هذا هو السؤال الذى لم يشغل ذهن أحد من الحفارين العظماء فى ذلك الوقت سوى الإنجليزى هيوارد كارتر، مفتش مصلحة الآثار بوادى الملوك، والذى نجح فى إقناع اللورد كارنانفون بتمويل حفائر فى الوادى على أمل كشف مقبرة ملكية جديدة. خمسة مواسم حفائر تمر ومعها خمس سنوات من الانتظار بداية من سنة ١٩١٧ وحتى بداية شهر نوفمبر ١٩٢٢، حينما قرر التاريخ وبلا أى مقدمات أو مبررات أن يعيد فتح صفحة الملك توت عنخ آمون من جديد بل يجعله الاسم الأكثر شهرة فى تاريخ ملوك العالم القديم، وذلك بمجرد الإعلان عن كشف مقبرته فى الرابع من نوفمبر عام ١٩٢٢.

كلمتان فقط هما عنوان هذا الكشف الأثرى «أشياء رائعة» نطق بهما هيوارد كارتر عندما سأله اللورد كارنانفون الواقف إلى جواره مكررًا السؤال «هل ترى أى شىء؟». وعلى الرغم من أن اسم كل من هيوارد كارتر واللورد كارنانفون سيظلان يذكران جنبا إلى جنب مع اسم توت عنخ آمون لكن كليهما لم يستفد شيئا من هذا الكشف!، أو فلنقل إن حياة كل منهما لم تصبح أكثر سعادة بعد الكشف!، مات اللورد بعد نحو أربعة أشهر فقط من الكشف فى ظروف مثيرة للشفقة والألم «تسمم فى الدم من لدغة بعوضة يليها جرح فى نفس الموضع الملتهب أحدثته شفرة الحلاقة!»، أما كارتر فقد أمضى ما تبقى له من سنوات لا يفعل شيئا سوى السجال والحرب مع الحكومة المصرية بدعوة أحقية أسرة اللورد فى الاحتفاظ بنصف مكتشفات المقبرة، الأمر الذى وصل إلى قاعات المحاكم المصرية، بل أدى لخروج المصريين فى مظاهرات تطالب بطرد كارتر من مصر وبقاء توت وكنزه فى بلده مصر!، وما بين أمر حكومى بمنع كارتر لمدة عام من دخول المقبرة ثم السماح له بشروط إلى العودة واستكمال العمل بالمقبرة وتسجيل ووصف وترميم ونقل كنوز الملك من وادى الملوك إلى المتحف المصرى، ظلت الأمور صعبة على كارتر الذى لم تلاق محاضراته النجاح المطلوب فلم يكن يوما بالمحاضر البارع وكان يفتقد الحماس فى محاضراته التى كان الحاضرون يمنون أنفسهم بكثير من الإثارة والألغاز حول الكشف وحول المقبرة وكنوزها ثم يفاجأون بالنوم يغلبهم بعد دقائق من بدء المحاضرة!.

سنوات ويموت كارتر وكثير من المعلومات عن الفرعون الذهبى لم يكن قد تم الكشف عنها بعد. والسؤال الذى لم يتم الإجابة عنه إلى الآن بصورة شافية هو لماذا اعتلى توت عنخ آمون قمة التاريخ وصار رقم واحد فى سجل الملوك؟، هل لأن مقبرته الصغيرة المجهزة على عجل هى السبب؟! أم أنه بريق الذهب وحجم الكنز المكتشف؟ أم أن السبب هو الجنون الذى حدث بعد الكشف عن مقبرته وأصاب العالم كله بهوس اسمه توت عنخ آمون؟، فظهر اسم الملك وصور تحفه على خطوط الملابس وحتى زجاجات الخمور والعطور، وديكورات المحلات حول العالم كله!، وإلى يومنا هذا تعتلى معارض توت عنخ آمون حول العالم عرش المعارض الأثرية، محطمةً كل الأرقام القياسية لأعداد الزائرين. وقد اقترح بعض العلماء المنشغلين بقضية الملك توت ووضعه التاريخى الحقيقى بين ملوك العالم القديم أن سبب تلك الشهرة الواسعة هو كل ما تقدم من أسباب يضاف عليها ثلاثة أسباب أخرى رئيسية وهى بالترتيب: أحداث ما قبل الكشف عن المقبرة، ويقصد بها سنوات البحث بداية من الأمل ثم اليأس ثم الكشف، وثانيًا: أحداث ما بعد الكشف، ومنها موت اللورد وعدد من الذين ارتبطت أسماؤهم بالكشف أو زيارة المقبرة واختراع الصحافة لما يعرف بـ «لعنة توت عنخ آمون، ولعنة المومياء». وكذلك ما حدث من مشكلات بسبب سلوك كارتر واللورد كارنانفون اللذين منحا دون وجه حق جريدة التايمز اللندنية الحق الحصرى فى نشر أخبار الكشف دون باقى الصحف ووسائل الإعلام. وأخيرًا لا يمكن أن ننسى أن أحد أعظم أسرار شهرة توت عنخ آمون يرجع إلى سحر قناعة الذهبى المصنف كأغلى وأعظم قطعة أثرية من العالم القديم.

إذًا لم تكن شهرة الفرعون المصرى صغير السن لها علاقة بحياته أو فترة حكمه أو أعماله ولكن مقبرته وكنوزها وقصة كشفها هى جميعًا سبب شهرتة، وهذا ما دعانا إلى أن نختم مقالنا السابق بالقول إن كل ما فعله توت عنخ آمون لينال هذه الشهرة هو أنه مات!، ولو كان بيننا الآن ملك من ملوك مصر القديمة مثل خوفو أو أمنحوتب الثالث أو رمسيس الثانى مثلًا وشاهد معنا ما صار إليه توت عنخ آمون من شهرة وسلطان لتعجب، بل لا نغالى إذا قلنا لمات غيظًا وكمدًا!، والسبب أن ما اختاره القدر ليحفظه لنا من كنوز فراعنة مصر العظام هو أصغرهم حجمًا وكمًا، ومع ذلك وعلى الرغم من قرب مرور مائة عام على الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون فلا يزال هذا الكشف هو النافذة الوحيدة الباقية من العالم القديم التى نطل من خلالها على عالم الفراعنة ونتخيل ما كانت عليه كنوز ملوك حكموا مصر لسنوات طويلة وأثاروا الأرض تعميرًا وتعدى سلطانهم حدود الشرق الأدنى كله ليصل إلى حد كشف آثارهم فى قارات بعيدة مثل أوروبا.

أتذكر أننى قلت مرة فى محاضرة من محاضراتى إننا محظوظون لعدم العثور على كنوز ملوك مثل خوفو ورمسيس الثانى؟!، وعندما وجدت الدهشة على وجوه الحاضرين، شرحت لهم أن العثور على كنوز هؤلاء كان سيتسبب فى عدم إطلاق العنان لخيالنا عن هذا العالم المثير، ودائمًا يكون إطلاق الخيال أجمل من الاكتفاء بإدراك الحقيقة. إن التاريخ لم يسخر عندما اختار توت ليمنحه كل هذا المجد والخلود، ولكنه أعطانا الفرصة لإطلاق الخيال وكل منا يرسم فى ذهنه صورة خاصة عن عالم الفراعنة الساحر والمثير

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يسخر التاريخ منا ٢ هل يسخر التاريخ منا ٢



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 21:44 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب
المغرب اليوم - بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب

GMT 12:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
المغرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 03:10 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أميركا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاق 6 سنوات
المغرب اليوم - أميركا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاق 6 سنوات

GMT 04:20 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

زينة تثير الجدل بتصريحات جديدة بين متابعيها
المغرب اليوم - زينة تثير الجدل بتصريحات جديدة بين متابعيها

GMT 17:01 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

8 قتلى بين المتزلجين بعد سلسلة انهيارات ثلجية في النمسا

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 11:49 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

من المستحسن أن تحرص على تنفيذ مخطّطاتك

GMT 19:31 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

7 أطعمة لعلاج نقص الهيموجلوبين خلال الحمل

GMT 10:52 2016 الجمعة ,26 شباط / فبراير

تورال يتعرض لإصابة طريفة أمام نابولي

GMT 15:00 2021 السبت ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

توخيل يكشف حقيقة رغبة اللاعب المغربي حكيم زياش في الرحيل

GMT 15:14 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 11:21 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

حكيم زياش يتحمس لمغادرة "أياكس" صوب إنجلترا

GMT 23:51 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

إطلاق مبادرة "مريم أمجون" للتشجيع على القراءة في المغرب

GMT 09:43 2019 الثلاثاء ,28 أيار / مايو

طريقة عمل أم علي اللذيذة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib