رسالة إلى من ينادي بالاستغناء عن الأدوية

رسالة إلى من ينادي بالاستغناء عن الأدوية

المغرب اليوم -

رسالة إلى من ينادي بالاستغناء عن الأدوية

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

من المدهش أن يعيش إنسان في القرن الحادي والعشرين، محاطا بثمار الطب الحديث من كل جانب، ثم يخرج علينا ليقول بثقة: «الأدوية سموم»، و«الطب الحديث مؤامرة»، و«الحل في وصفة سرية اكتشفها شخص ما على فيس بوك»، «وطبقوا نظام الطيبات هتخفوا من كل الأمراض من الانفصال الشبكي إلى السرطان»! لو كان هذا الكلام صحيحا، لكان من المنطقي أن نغلق المستشفيات، ونلغي كليات الطب، ونستعد للعودة إلى عصر كانت فيه نزلة برد كافية لإنهاء حياة إنسان، لنبدأ بأبسط مثال يفضح هذه الكذبة: المضادات الحيوية، قبلها، كان جرح صغير، أو التهاب لوز، أو عدوى بعد الولادة، سببا شائعا للموت، العمليات الجراحية كانت مقامرة، وغرف العمليات أقرب إلى غرف الإعدام، اليوم، بفضل «هذه السموم»، أصبحت الجراحة ممكنة، والولادة أكثر أمانا، والعدوى أمرا يمكن علاجه، الغريب أن كارهي الدواء لا يرفضون المضادات الحيوية عندما يصابون بتسمم دم، بل يطلبونها فورا… ثم يعودون لسبّها وشتيمتها بعد الشفاء، ثم نأتي إلى الإنسولين، المتهم الدائم بأنه «كيمياء صناعية»، قبل اكتشافه، كان مريض السكري -خاصة الطفل- مشروع جثة، بعده، أصبح إنسانا يعيش ويدرس ويتزوج ويمارس الرياضة ويحصل على بطولات، ويخطط للمستقبل، ملايين البشر مدينون بحياتهم اليومية لحقنة واحدة. ومع ذلك يظهر من يخبرك بثقة أن «الصيام والأعشاب كفاية».

نعم، كفاية… للعودة إلى المقابر، اللقاحات بدورها قصة لا تحتمل أي نقاش أو جدل من نصاب من شدة وضوحها، فالجدري اختفى من العالم، شلل الأطفال على وشك الاختفاء. أمراض كانت تشوه الأطفال أو تقتلهم بالجملة أصبحت ذكريات في كتب التاريخ، ومع ذلك، يخرج من يقول إن اللقاحات مؤامرة، السؤال البسيط: لو كانت كذلك، لماذا لا نرى أوبئة القرن التاسع عشر تعود؟ ولماذا يختفي المرض حيث يُطعَّم الناس، ويظهر حيث تنتشر الخرافات؟ نصل إلى أدوية التخدير، تلك «السموم» التي سمحت للإنسان أن يفتح صدره، وتُجرى له جراحة في المخ، ويخرج حيا، قبل التخدير، كانت الجراحة تعذيبا علنيا، يُمسك فيه المرضى ويتم تكتيفهم بالقوة وهم يصرخون، من السهل جدا شتم الطب الحديث.. إلى أن تحتاج عملية جراحية، أما أدوية الضغط والقلب، حدث ولا حرج، فهي مملة في نظر هواة الدجل لأنها لا تعطي شعورا دراميا فوريا، لكنها تمنع الجلطات، والسكتات، والفشل الكلوي، وتنقذ الإنسان من موت مفاجئ، هذه الأدوية لا «تشفي» بمعنى القصص الخيالية، لكنها تفعل ما هو أهم: تمنع الكارثة، وهو إنجاز لا يحبه من يبيع الوهم، حتى أدوية السرطان، بكل قسوتها وآثارها الجانبية، تُهاجم بسهولة، لماذا؟ لأنها صادقة، وصريحة، ونسبية، صراحة ونسبية العلم، لا تعد بالمعجزات، ولا تبيع الأمل الكاذب، ومع ذلك، رفعت نسب النجاة، وحولت السرطان من حكم نهائي بالموت إلى معركة يمكن كسبها في حالات كثيرة، من يهاجمها عادة لا يقدم بديلا سوى قصص عن «علاج مخفي» موضوع في الدرج خوفا من سرقة الماسونية لهذا الاختراع، ولا ننسى أدوية منع الحمل وتنظيم الأسرة، التي غيرت شكل المجتمع، وحررت ملايين النساء من مصير الإنجاب القسري، وساهمت في التعليم والعمل والاستقلال، الغريب أن البعض يهاجمها باسم «الطبيعة»، وكأن الطبيعة في أوقات كثيرة لا تكون رحيمة أو عادلة، الحقيقة البسيطة التي يرفضها خطاب الدجل أن الطب الحديث ليس مثاليا، ولا يدّعي العصمة، إنه يفعل أقصى المتاح الآن، هو يعترف بالآثار الجانبية، ويوازن بين الضرر والفائدة، ويراجع نفسه باستمرار، وهذا بالضبط ما يجعله علما، أما من يقول إن «كل الأدوية سموم»، فعليه أن يكون صادقا حتى النهاية: لا مستشفيات، لا تخدير، لا مضادات، لا إنسولين، لا قلب صناعي، لا نقل دم، لكن الغريب أنهم لا يفعلون ذلك، لأنهم يعرفون الحقيقة جيدا، الطب الحديث ليس مؤامرة، بل سبب أنك ما زلت حيا لتكتب ضده منشورا على الفيس بوك، وتعمل لايف على التيك توك، ومن يهاجمه بالشعارات، غالبا يفعل ذلك من فوق سرير أنقذه هو نفسه، بعد أن نزع المحاليل التي أطالت عمره.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسالة إلى من ينادي بالاستغناء عن الأدوية رسالة إلى من ينادي بالاستغناء عن الأدوية



GMT 16:21 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 16:18 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

جواب: هذا في الاسم

GMT 16:14 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

المضيق والمريض والطبيب الباكستاني

GMT 16:11 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

طريق مسدود للخروج من حالة الحرب

GMT 15:56 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

مستقبل منظمة «حلف شمال الأطلسي»؟

GMT 15:53 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

اللقطة المسروقة

GMT 14:03 2026 الأحد ,19 إبريل / نيسان

لبنان يختار استرجاع أرضه

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 01:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
المغرب اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:03 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير
المغرب اليوم - محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير

GMT 02:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
المغرب اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 19:03 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالإرهاق وتدرك أن الحلول يجب أن تأتي من داخلك

GMT 14:54 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

الفئات العمرية لطنجة تحقق نتائج طيبة في البطولة الوطنية

GMT 17:03 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

نصائح من نمر سعادة لاختيار بدلات رجالية عصرية

GMT 08:30 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

​إدريس بوجوالة يحضر اجتماع محمد ساجد في الرباط

GMT 12:37 2012 السبت ,18 آب / أغسطس

دللي بشرتك في العيد بالعنب والزيتون

GMT 06:04 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

روبرتو كافاللي "Roberto Cavalli" تطرح مجموعة من مجوهرات 2017

GMT 13:54 2017 الأحد ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

نصائح مميزة من أجل الأهتمام بحديقتك في فصل الشتاء

GMT 17:00 2022 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ارتفاع أسعار النفط مع ضعف الدولار
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib