عندما لا تشبه النتائج السياسات

عندما لا تشبه النتائج السياسات

المغرب اليوم -

عندما لا تشبه النتائج السياسات

سام منسي
بقلم : سام منسي

سنة واحدة لا تكفي للحكم على أداءِ أي رئيس دولة. غير أنَّ السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بدت استثنائية، لا بسبب ما أُنجز خلالها؛ بل بسبب التباين بين السياسات المعلنة والنتائج. فبين شعار «أميركا أولاً وأميركا أقوى»، وتدخل أميركي أوسع في شؤون العالم، وبين إحلال العلاقات الاقتصادية محل العلاقات السياسية، وما نتج عنه من تضرر الاثنين معاً، وبين وعد إنهاء الحروب، والاكتفاء بإدارة نزاعات دون تسويات، يتبيَّن أن ما تحقق ليس ما وُعد به.

نبدأ من الداخل الأميركي؛ حيث لم يقتصر صدام ترمب مع بنية الدولة على الإدارة والقضاء وملفات حساسة، كالتعليم وسياسات الهجرة والأمن الداخلي؛ بل طال الإعلام والجامعات والهياكل البحثية والثقافية، وأسفر عن تحولات أطلقت سجالات دستورية وتوترات سياسية وانقساماً اجتماعياً حاداً.

المفارقة أنَّ خطاب «استعادة الدولة» أفضى إلى إضعاف الثقة بمؤسساتها، وتحويل الداخل الأميركي إلى ساحة نزاع.

في السياسة الخارجية، رفع شعار الانعزال وتقليص الالتزامات، ولكن بدل الانكفاء، توسع التدخل الأميركي من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، ولم يأتِ كجزء من استراتيجية متكاملة؛ بل كخطوات انتقائية تُدار بالأدوات الصلبة، ولا تستند إلى رؤية سياسية واضحة. حوَّل مبدأ «أميركا أولاً» من وعد بتقليل الانخراط الخارجي إلى نمط تدخل غير مستقر ودون أفق سياسي، يقوم على إعادة تموضع أنانية تُقاس فيها التحالفات والالتزامات بما تحققه من مكاسب مباشرة لواشنطن.

أما اعتماد التعريفات الجمركية والعقوبات كأدوات لإدارة العلاقات الدولية على حساب التفاهمات السياسية، فقد أدَّى إلى إضعاف الخصوم والحلفاء معاً، وتآكل الثقة داخل المنظومة الغربية نفسها، وتوتير العلاقات عبر الأطلسي، واهتزاز موقع «الناتو» ودوره.

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من عدم اليقين، بما أثبت أنَّ الرهان على الاقتصاد بوصفه بديلاً عن السياسة لم يحفظ أياً منهما، ناهيك من تحويله الأمن الجماعي إلى «فاتورة».

في ملف السلام، أعلن ترمب إنهاء ثماني حروب، ولكن الوقائع لا تسند هذا الادعاء في ظل غياب أي اتفاقات سلام فعلية؛ بل تظهر أن ما يوصف بأنَّه سلام ليس سوى إعادة تدوير للصراعات تحت أسماء جديدة. النموذج الأوضح يبقى أوكرانيا؛ حيث تحول الوعد بإنهاء الحرب سريعاً إلى مراقبة نزاع دامٍ ومفتوح.

وينسحب الأمر في منطقتنا عبر ثلاثة ملفات مترابطة، هي: غزة، وإيران، ووكلاؤها في الإقليم. في سبتمبر (أيلول) 2025، أعلن ترمب خطة «السلام في غزة»، ويجري اليوم الحديث عن مرحلتها الثانية بينما لا يزال وقف النار هشاً. أما طرح «مجلس السلام» الذي يرأسه ترمب كركيزة للتسوية الشاملة، فكشف فراغاً سياسياً واضحاً؛ إذ نحن في انتظار رؤية متكاملة وإطار قانوني وآليات تنفيذ أو مساءلة، ما يثير مخاوف من تحوله إلى غطاء سياسي لاستمرار الاحتلال والقصف اليومي على غزة.

المراوحة في ملف غزة والغموض في الموقف من التسوية الشاملة وحقوق الفلسطينيين، ينعكسان مباشرة على مقاربة واشنطن لإيران. فما دامت هذه القضية لم تُحسم، فستبقى ورقة مركزية في يد طهران، ما يجعل أي مقاربة أميركية للأزمة الإيرانية ناقصة بطبيعتها.

العلاقة المتوترة مع إيران منذ 1979 تتمحور اليوم حول الملف النووي، والصواريخ الباليستية، ودور الوكلاء في الإقليم، مع إضافة ملف قمع الاحتجاجات الداخلية. وعلى الرغم من الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق، نشهد تريثاً عن توجيه ضربة مباشرة، مدعوماً بدعوات إقليمية لتجنب التصعيد. هذا التريث قد يُقرأ كسياسة حكيمة، ولكنه يطرح تساؤلات حول الهدف النهائي: هل تسعى إدارة ترمب لتغيير النظام أم تعديل سلوكه بما يضمن مصالحها؟ وهل خيار بقاء النظام، مهما كانت طبيعته، أقل تكلفة من فوضى مفتوحة؟

وفي هذه المنطقة الرمادية بين التفاوض والحرب، ووسط مؤشرات على أن المفاوضات قد تقتصر على الملف النووي، دون تناول قمع المحتجين أو دور إيران المزعزع للاستقرار الإقليمي، يرتفع منسوب تحرك وكلاء إيران في لبنان والعراق واليمن. وبعد أن رفعت تهديدات ترمب سقف توقعات المعارضة الإيرانية، من دون معرفة ما سيقدم عليه لاحقاً. وقد يكتفي باعتبار التهديد نفسه «نجاحاً» رغم غياب نتائج فعلية.

تجربة ترمب في سنته الأولى تميل إلى التباين بين السياسة والنتيجة: أبقى على قوة أميركا العسكرية، ولكنه أضعفها دبلوماسياً وأخلاقياً. ما زالت أقوى لاعب في النظام الدولي، ولكنها لم تعد قائدته؛ بل أكثرهم تقلباً وإثارة للقلق. هزَّ التحالفات والنظامَ القديم بعمق، وتعامل ببراغماتية مع روسيا. لم يهزم الصين إنما أنهى وهم العولمة السلسة، وفتح عصراً جديداً من الصراع الاقتصادي والسيادي، لا رابح فيه بالكامل... بل أقل الخاسرين فقط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما لا تشبه النتائج السياسات عندما لا تشبه النتائج السياسات



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 15:46 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

يحمل هذا اليوم آفاقاً واسعة من الحب والأزدهار

GMT 12:35 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 26-9-2020

GMT 20:34 2016 الأحد ,17 إبريل / نيسان

15 نصيحة لتطويل الشعر بسرعة

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 18:32 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:04 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 16:57 2016 الأربعاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

المغرب يشهد تشكيل 6 لجان تقصي حقائق منذ عام 1979

GMT 17:46 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل بدائل للرخام في ديكورات المنزل

GMT 17:11 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

يحتوى فيتامين د على العديد من الفوائد الصحية

GMT 03:37 2021 الإثنين ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

إرتفاع طفيف لمؤشر "مازي" في بورصة الدار البيضاء

GMT 09:42 2018 الأربعاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

ظهور نوع جديد من الديناصورات العملاقة في الأرجنتين

GMT 17:54 2014 الثلاثاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

إعلان كتاب خاص عن مجموعة "ناس الغيوان الموسيقيّة"

GMT 12:29 2012 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

وجه جديد لـ"أنا زهرة" أكثر المواقع النسائية حضورًا

GMT 02:51 2014 الجمعة ,20 حزيران / يونيو

لمسات بسيطة لتصميم منزل عصري
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib