قمة فلوريدا لبنان حاضر كأزمة لا كدولة
أخر الأخبار

قمة فلوريدا... لبنان حاضر كأزمة لا كدولة

المغرب اليوم -

قمة فلوريدا لبنان حاضر كأزمة لا كدولة

بقلم : سام منسي
بقلم : سام منسي

بعد مرور أسبوع على قمة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو في فلوريدا، لم يعد السؤال عما إذا كان لبنان حاضراً على طاولة هذا اللقاء، بعدما تبيَّن أنه كان تفصيلاً هامشياً، بل بأي صفة حضر: هل كدولة تسعى إلى استعادة سيادتها وموقعها، أو كساحة مُلحقة بملفات إقليمية تُدار من خارجها؟ جاء توقيت الاجتماع بالغ الدلالة، كما أن الملفات التي نوقشت تقع في صلب الصراع الإقليمي ومسار متغيرات السنتين الماضيتين، في المقابل يقف الداخل اللبناني عند مفترق حاسم بين محاولة ترميم الدولة واستمرار إصرار «حزب الله» على الإمساك بالقرارين السياسي والأمني.

اللقاء في الشأن اللبناني لم يُنتج قرارات تنفيذية مباشرة، وكأن أميركا تخلَّت عن دورها القيادي، لكنها كرست مناخاً ضاغطاً على بيروت، وتركت هامشاً واسعاً لإسرائيل لتقدير توقيت وشكل أي تصعيد محتمل. في السياق، عاد لبنان مجدداً بوصفه ساحة اختبار لقدرة الدولة على فرض سيادتها، وسط توصيف أميركي متزايد لضعف السلطة في مواجهة «حزب الله»، ما أبقى البلد عالقاً بين ضغط خارجي ومأزق داخلي بنيوي.

المفارقة أن لبنان الرسمي لم يحاول استباق القمة بأي اختراق سياسي أو دبلوماسي يرفع مرتبته في جدول أعمالها، عبر إعلانه قُبيلها عن رؤية موحدة وصريحة لشروط تعافيه، تُختصر بتحديد موقعه بوضوح في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي والصراع الإقليمي، عبر الالتزام العملي بالخروج من حال الحرب نهائياً ووقف الأعمال العسكرية، وحصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الإرهاب بأشكاله كافة، إلى جانب إطلاق مسار إصلاح سياسي واقتصادي جدي يعيد لبنان إلى منظومة الدول القابلة للحياة.

هذه العناوين كانت نظرياً في صلب الخطاب الذي رافق انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، وتشكيل حكومة نواف سلام، وبقيت مكتومة، حين سعت السلطة الجديدة إلى تقديم نفسها كسلطة مختلفة و«جدية»، قادرة على ضبط الإيقاع الأمني وفتح مسار إصلاحي يعيد وصل لبنان بالعالمين العربي والدولي. لفترة قصيرة، أسهم هذا الخطاب في تخفيف حدة العزلة وإعادة لبنان إلى التداول السياسي، من دون فتح باب الدعم الواسع. فالعالم كان ينتظر أفعالاً لا نيات، وقدرة على القرار لا توازناً لغوياً.

ما الذي حصل - إذن - وأدى إلى ضياع سنة كاملة من عمر السلطة الجديدة من دون أي ترجمة فعلية لتعهداتها؟ عقبتان مترابطتان: سلاح «حزب الله»، والاعتياد المزمن والمَرضي على التعايش مع سطوة سياسية ونفسية أعادت إنتاج منطق الوصاية. وجاءت قمة فلوريدا والملف اللبناني على حاله يؤكد العجز، والتناقضات الداخلية الفاضحة: رئيس الحكومة يتحدث عن بدء المرحلة الثانية من سحب السلاح شمال الليطاني، في حين يربطها رئيس الجمهورية بـ«الظروف»، وحكومة تختلف قبيل القمة على مشروع إصلاحي أساسي يُفترض أن يكون ركيزة التعافي الاقتصادي، ورئيس مجلس نواب يعطل قانوناً انتخابياً يتيح للمغتربين التصويت الكامل، في قرار سياسي يحمي توازنات قائمة، أبرزها ميزان القوة الذي يفرضه «حزب الله».

زاد المشهد قتامة صمت السلطة عن خطاب الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي شكّل ضربة مباشرة للدولة، لا لكونه قدم جديداً، بل لتوقيته. إصراره العلني على رفض تسليم السلاح، وتأكيده أن الحزب هو من «يحمي لبنان»، واتهامه الدولة بتقديم تنازلات... أعادت تثبيت معادلة مألوفة: الدولة مقبولة ما دامت لا تقترب من القوة الفعلية؛ أي السلاح والقرار الاستراتيجي. وتعمقت هذه الصورة مع تصريحات النائب حسن فضل الله التهديدية والتخوينية، في تذكير فج بأن أي نقاش في السيادة يُواجَه بإعادة تفعيل الردع الداخلي.

حتى على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي، يواصل الحزب تكريس دولته الموازية؛ فاستبدال مؤسسة «جود» بـ«القرض الحسن» ليس تفصيلاً إدارياً، بل إعادة إنتاج لمنظومة مالية – اجتماعية خارج أي رقابة رسمية، تُستخدم لتثبيت الولاءات، في وقت تعجز الدولة عن بناء شبكة حماية وطنية وفرض قواعد شفافة على العمل المالي. بهذه الوقائع، دخل لبنان عملياً إلى قمة فلوريدا لا كدولة تُفاوض، بل كملف أمني. فحين يُعلن «حزب الله»، في لحظة إقليمية حساسة، أن السلاح غير قابل للنقاش، فإنه يسحب من يد الدولة ورقة التفاوض الأساسية، ويضعها في موقع العاجز في نظر الخارج، وخصوصاً الأميركي والإسرائيلي، ويقدم ذرائع إضافية لإسرائيل لمواصلة اعتداءاتها أو توسيعها لاحقاً. هنا تبرز إشكالية المفاوضات الجارية مع إسرائيل، وماذا قدمت الدولة لمفاوضها من تفويض وأدوات، وكيف لمسار تفاوضي أن يتقدم فيما القرار السيادي ما زال معلقاً.

الخلاصة، لا تكمن المشكلة في الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في ثقل الداخل الذي يقيّدها ويُفرغها من مضمونها؛ فالدبلوماسية، مهما بلغت مهنيتها، لا تستطيع الحلول مكان القرار السيادي، أو تعويض غياب الحسم السياسي في القضايا المفصلية. ومن دون ترجمة حقيقية لموقف لبنان من نهج «المقاومة» و«الممانعة»، والخروج من حال الحرب مع إسرائيل من إعلان نيات إلى ممارسة قابلة للقياس؛ سيبقى لبنان غائباً عن الاجتماعات الدولية، حاضراً فقط كأزمة.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قمة فلوريدا لبنان حاضر كأزمة لا كدولة قمة فلوريدا لبنان حاضر كأزمة لا كدولة



GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 15:27 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 15:21 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

أمن الشرق الأوسط!

GMT 15:19 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

قراءة في العقل السياسي الإيراني

GMT 16:21 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 16:18 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

جواب: هذا في الاسم

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 01:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
المغرب اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:03 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير
المغرب اليوم - محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير

GMT 02:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
المغرب اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 15:09 2021 السبت ,03 تموز / يوليو

هاميلتون يمدد عقده مع مرسيدس

GMT 01:01 2021 الأربعاء ,24 شباط / فبراير

المغرب يسجل 446 إصابة و15 وفاة جديدة بفيروس كورونا

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 16:16 2020 الأربعاء ,27 أيار / مايو

الترجي التونسي يعود للتدريبات بعد أزمة كورونا

GMT 02:19 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

نصائح سريعة لترتيب غرفة الغسيل

GMT 03:16 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق طبيعية لتعطير المنزل في الأعياد

GMT 00:17 2017 الجمعة ,23 حزيران / يونيو

حسين معرفي يستقيل من إدارة النادي العربي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib