الحكومةُ الإسرائيلية “تُهَيِّئُ” لانتفاضةٍ فلسطينيّة

الحكومةُ الإسرائيلية “تُهَيِّئُ” لانتفاضةٍ فلسطينيّة

المغرب اليوم -

الحكومةُ الإسرائيلية “تُهَيِّئُ” لانتفاضةٍ فلسطينيّة

ناصيف حتّي
بقلم: الدكتور ناصيف حتّي

الإنتخاباتُ الخامسة التي جرت في إسرائيل في السنواتِ الأربع الأخيرة، دلّت على أنَّ هناكَ أزمةَ نظامٍ عميقة ناتجة عن التغيّراتِ المُجتَمَعية والسياسية والعقائدية والحزبيّة القويّة التي يعيشها المجتمعُ الإسرائيلي. ونُسارِعُ إلى القول أنَّ لاعلاقة لهذه الأزمة بالموقف من كيفيّة تسوية أو إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. الإختلافُ في المواقف بين القوى الإسرائيلية، كما شهد تاريخ ديبلوماسية محاولات تسوية هذا الصراع منذ مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 وعبر المحطّات التفاوضية المُختلفة وما انتجته، كان يتعلّقُ بالأسلوب وببعض التنازلات الثانوية التي لا تُعالِجُ جذورَ الصراع ومُسبّباته الفعلية. كما إنّها لا تقبل بالقرارات الدولية التى تدعو إلى التسوية الشاملة والتي تحظى على الأقل بالإجماع الرسمي، ولو لم يكن الفعلي، على الصعيد الدولي.

الحكومة الجديدة، التي شكّلها أخيرًا بنيامين نتنياهو، تتحكّم بها بالفعل القوى التي تُمثّلُ اليمين الديني الاكثر تشدّدًا وتطرّفًا في رؤيته واستراتيجيته وسلوكياته القائمة على عدم الاعتراف كلّيًّا بالآخر الفلسطيني، سواء تعلّقَ الأمرُ بهويّته الوطنية أو بحقوقه من وطنية وفردية تحت الاحتلال.

ويُمثّلُ كلٌّ من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، زعيم حزب “االقوة اليهودية”، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، زعيم “الحزب الصهيوني الديني”، الثقل الرئيسي او قوة الدفع الأساسية في تحديد السياسات  الحكومية الجديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد قام أخيرًا بن غفير، وبالتحديد في الثالث من الشهر الجاري، باقتحام وتدنيس حرمة المسجد الأقصى، وهو ما يُذكّرُ بما سبق وقام به أرييل شارون في العام 2000 من تدنيسٍ لهذا المكان المُقدّس لدى المسلمين، والذي أدّى حينذاك إلى انطلاق شرارة الانتفاضة الثانية. وللتذكير أيضًا، إنَّ الظروف اليوم أكثر انسدادًا على الصعيد السياسي وبؤسًا على الصعيدَين الإنساني والوطني بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني .

إذا كان هذا الأمرُ يندرجُ في إجراءات الدفن الرسمي لحلِّ الدولتَين، فإنَّ هناكَ خطواتٍ أُخرى اتخذتها الحكومة الجديدة في بداية تسلّم مهامها وكانت بمثابة رسالة في الاتجاه ذاته. من هذه الخطوات تجميد خطط البناء للفلسطينيين في بعض مناطق الأراضي المُحتلّة، ووضع اليد ومصادرة حوالي ٣٧،٧ مليون دولار تعود الى السلطة الفلسطينية، وهي تُمثّل الرسوم الجمركية المُقتَطعة من قبل إسرائيل، لمصلحة السلطة، وفق ما هو معمول به حسب الاتفاقيات الناظمة للعلاقات بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية. وهذا الاقتطاع أعلنت عنه إسرائيل كعقابٍ للسلطة بسسب “إعتداءاتٍ قامَ بها فلسطينيون على إسرائيليين”، ودفعت المبلغ المُقتَطَع ل”المُعتَدى عليهم”. أضف أنَّ إسرائيل قامت مع بداية تسلّمِ الحكومة الجديدة مسؤولياتها بتوفير وتعزيز كافة الظروف المشجّعة والمسهّلة لتكثيف الاستيطان والربط الجغرافي بين المستوطنات، الأمر الذي يزيد من عملية مُحاصرة وخنق بعض القرى الفلسطينية ودفع أهلها للمغادرة.

ويبقى الهدف الرئيس بالطبع، ولو يتمُّ تنفيذه بشكل تدرّجي وغير مباشر أحيانًا، طرد الفلسطينيين وتهجيرهم إلى خارج أراضيهم. إنها حربٌ عبر الجغرافيا والديموغرافيا أخذت الحكومة الجديدة تعمل بها وتُبلوِرُ القرارات المُسَهّلة لذلك منذ الأيام الأولى لتولّيها السلطة، كاشفةً عن استراتيجية الضمّ التدريجي للضفة الغربية وتغيير بنيتها الديموغرافية. وتستفيد في هذا الصدد من السكوت الدولي المُنشَغِل بصراعاتٍ أُخرى ضاغطة واهمّها أوكرانيا وعودة المواجهة الدولية في أوروبا وعبر بوابة تايوان وجوارها في المُحيطَين الهادىء والهندي: المواجهة الأولى غربية-روسية، والثانية غربية-صينية. أضف إلى ذلك أنَّ ما يُشجّعُ على هذه السياسة الجديدة الناشطة والحاملة لأهداف التغيير البنيوي الكلي في الأراضي الفلسطينية المُحتلّة بغية تحقيق قيام دولة إسرائيل الكبرى، غياب أيّ وضعٍ فلسطيني وعربي رادعٍ لهذه السياسة. أهدافٌ تعكسُ “التديين” الكلّي للنزاع، الأمرُ الذي يعني إلغاء كافة مُرتكزات وأسس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني على أرض الواقع لأنها تُشكّلُ نقيضًا وتهديدًا للأهداف التي يحملها هذا “التديين” الكلّي للنزاع من طرف السياسة الإسرائيلية.

فهل يَعِي المعنيون بالأمن والاستقرار في المنطقة أنّ ما يحصل من دينامية سياسية إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة سيؤدي حُكمًا إلى حصول انتفاضةٍ ثالثة. إنتفاضةٌ في ظلِّ هشاشة الأوضاع في الإقليم من جهة والخطاب الديني الإسرائيلي الإلغائي من جهةٍ أُخرى ستتغذى عليها بدون شك كل الراديكاليات في المنطقة. وستخلق  بؤرةً جديدة للتوتر والنزاع الناشط في المنطقة تُغذّي ايضًا، وتتغذّى على النزاعات المختلفة والمنتشرة في الشرق الأوسط؟

سؤالٌ سيجيب عنه المستقبل القريب إذا لم تتبلور مبادرةٌ تقومُ بها أساسًا قوى عربية ومعها قوى دولية لوقف هذا التصعيد الخطير، وإعادة إحياء، ولو بشكل تدريجي، عملية التسوية السياسية، المعروفة أُسُسها وقواعدها، من أجلِ تحقيقِ السلام الشامل والعادل والدائم. هدفٌ دونه الكثير من المصاعب والعوائق، لكن عدم المضي في سياسةٍ تهدفُ إلى تحقيقه سيُغذّي حالة الفوضى والتوتر في المنطقة  كما أشرنا.

الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، ديبلوماسي متقاعد ووزير خارجية لبنان السابق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربيةولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو*

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحكومةُ الإسرائيلية “تُهَيِّئُ” لانتفاضةٍ فلسطينيّة الحكومةُ الإسرائيلية “تُهَيِّئُ” لانتفاضةٍ فلسطينيّة



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:14 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

هيغسيث يؤكد دخول 200 عنصر من القوات الاميركية للقبض على مادورو
المغرب اليوم - هيغسيث يؤكد دخول 200 عنصر من القوات الاميركية للقبض على مادورو

GMT 01:42 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

هدوء حذر يسود حلب بعد توقف قصف قسد
المغرب اليوم - هدوء حذر يسود حلب بعد توقف قصف قسد

GMT 22:21 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

سيلين ديون تنضم إلى تيك توك بفيديو طريف
المغرب اليوم - سيلين ديون تنضم إلى تيك توك بفيديو طريف

GMT 13:59 2025 الخميس ,18 كانون الأول / ديسمبر

انستغرام يطلق تطبيق Reels مخصص للتليفزيون لأول مرة

GMT 18:11 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 09:23 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

جماهير طنجة تطالب أبرشان بالرحيل

GMT 19:44 2022 الأحد ,05 حزيران / يونيو

رونالدو يقود هجوم البرتغال أمام سويسرا

GMT 13:56 2021 الأحد ,05 أيلول / سبتمبر

فوائد أوراق شجرة المورينجا الصحية

GMT 05:25 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

أجمل أنواع وتصاميم ثريات غرف الجلوس لعام 2021 تعرّفي عليها

GMT 11:09 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

سر "ضجيج الطائرات" الليلي في ساكنة شمال المملكة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

حقائب ونظارات من وحي دانة الطويرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib