عقولنا نعم تضمر

عقولنا نعم تضمر!

المغرب اليوم -

عقولنا نعم تضمر

بقلم:سوسن الأبطح

حين تقرر فائزة بجائزة نوبل للآداب مثل البولندية أولغا توكارتشوك، أنه لم يعد من مكان للأدب الرفيع الذي يتطلب جهداً طويلاً وأعواماً من الكدّ، وتقرر اعتزال كتابة الرواية؛ لأن أحداً لا يريد قراءتها، فهذا مدلوله خطير ويدعو للتأمل. فبعد سنوات قليلة من حصولها على التتويج الأدبي الأرفع في العالم، مكافأة على روحها الموسوعية والأرشيفية في الكتابة التوثيقية، ترى هذه الروائية وهي في عزّ عطائها، أن تستقيل، وتكتفي بالقصة القصيرة، عوضاً عن رؤية القراء وهم يمسخون أعمالها، بطلب مختصراتها من الذكاء الاصطناعي، كي يعرفوا فحواها. وبدل أن تترك للآلة مهمة تلخيص رواياتها، ستجعلها قصصاً قصيرة، ووجبات خفيفة، سهلة الهضم، وتريح قراءها وتستريح!

لكن الأكثر إثارة للعجب أن تكون الروائية توكارتشوك هي نفسها، بمكانتها المرموقة ومواهبها الاستثنائية، مع شكواها من غدر التقنيات، باتت تكتب بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بحسب اعترافها. هذا يعني أن مأزق التكنولوجيا وإرباك التعامل معها، لا يصيبان القراء وحدهم بل المبدعين والمؤلفين أيضاً.

فإدمان المحتوى القصير، وسرعة الحصول على المعلومة، من اللعنات التي تطيح بالقراءة العميقة والتفكير التحليلي، وربط السياقات، والتي تمس الجميع. وما دام أن ثمة من يقوم بالمهمات الصعبة نيابة عنا، فإن الإغراء أكبر من أن يترك مجالاً لتجاهله.

لهذا، وبدلاً من الفطام عن الهواتف والتطبيقات الذكية التي تزيدنا غباءً تبعاً لدراسات عدّة، فإن الحلّ المطروح هو عرض مزيد من التطبيقات، لكنها مضادة للإدمان هذه المرة. تطبيق «روتس» مثلاً، متعدد المنصات، يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومن خلال معرفته بعاداتك ينظم علاقتك بالروابط المختلفة التي تتعامل معها. وكي تصل مخترعته تيريزا إلى هذه النتائج أمضت وقتاً، بصبحة أبناء مجتمع أصلي في الأمازون، وهي تراقب ممارساتهم اليومية، وإيقاع حياتهم البطيئة الهادئة والمركزة. قبل «روتس» كانت تطبيقات «مراقبة وقت الشاشة»، و«إدارة الإشعارات»، ومنصات «الصحة الرقمية»، إنما كلها تبقى في دائرة المحاولات القاصرة. وكما حاربت أديبتنا البولندية ضيق صدر قرائها باعتزال الكتابة الطويلة، كانت هي قبلهم قد شعرت بضرورة اختصار الوقت بطلب مساعدة برنامج توليدي ذكي.

الأبحاث مستمرة لإنقاذ البشرية مما ابتليت به. وفي دراسة مشتركة أجرتها معاهد في جامعة ماساتشوستس تبين أن إدمان استخدام الذكاء الاصطناعي في كل المهمات يؤدي إلى نتائج كارثية في الدماغ. فمستخدم يكتب عبر البرامج التوليدية حصراً، يصبح نشاطه الدماغي كسولاً، وقدرته على تذكر ما كتب أقل، وكذلك يتدنى شعوره بملكية ما أنجز.

أما من يكتب ويعصر دماغه، وينهي مهمته ثم يستشير تطبيقه الذكي، فيحافظ على بعض نشاطه الذهني، وقدراته الإبداعية. بالتالي فإن النصيحة المثلى لمن فقدوا القدرة على مقاومة الاستسهال، هو الدمج بين ذكائهم وذكاء الآلة للحصول على نتيجة مُرضية.

المقصود عدم التخلي عن ترييض أدمغتنا؛ لأن من يعتمدون على عقولهم، بالبحث ولو كان إلكترونياً عبر المحركات، يحافظون على عقول ذات نشاط عصبي نشط ومتحفز.

وقبل أن ننتهي من مأساة التقليب السريع للصفحات أو ما يسمى «السكرولينج» وما ينتج عنها من تخدير للعقل وكسل للجسد، ووقوع في أسر الخوارزميات المبرمجة لسرقة انتباهنا، ها نحن ندخل في نفق عبودية جديدة، هي الاستسلام لتوكيل مهامنا للذكاء الاصطناعي. الدعاية تقول إن تحررك من أداء وظائفك هو ترف بحد ذاته. الأمر كذلك حين تكون المهمة روتينية ميكانيكية، أما حين نتحدث عن بحث أكاديمي، أو كتابة إبداعية تحتاج إلى ربط بين المعطيات، وتحليل، وإيجاد مداخل جديدة، غير التي سبقك إليها آخرون، فأنت واقع حتماً في دائرة اجترار ما هو موجود. وبعد الضمور العضلي بسبب الجلوس الطويل الذي نستعيض عنه بالرياضة، ها هي دراسات تحذر من «الضمور المعرفي» أو «الضمور العقلي». وهذا - بحسب ما علمنا - قد لا يكون حكماً بالإعدام على مهارات كبار السن، لكنه حتماً اغتيال لعقول صغار لا تزال أدمغتهم في طور التشكل، بحيث إن إعفاءهم من التفكير والجهد الذهنيين، سيجعل عضلات وعصب أدمغتهم قاصرة وإلى الأبد. ولا نعرف لغاية الآن، أي رياضة فكرية بمقدورها تنمية هذه الجوانب الضامرة إذا ما وقع المحظور.

لهذا، ورحمةً بعقول العباد، دعا الباحث الأميركي في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إدوارد هاركورت، إلى تطوير نماذج توليدية «سقراطية» أي تدفع الناس إلى القيام بجزء أكبر من عملية التفكير بأنفسهم، كي لا تتعرض أدمغتهم للكسل، وقدرتهم على الحكم واتخاذ القرارات الحكيمة للذبول.

حين يقال إن البشرية تمر بمرحلة مفصلية لم تشهد لها مثيلاً، فالخطورة لا تقتصر على انهيار الاقتصاد، وتصاعد التسلح، بل في فقر الأخيلة، وتسطيح الأفكار، ونفاد مستوى الصبر، واستعجال الحصول على النتائج. الآلات الذكية حين تصبح عبقرية جداً، سيبحث الإنسان عن نفسه من جديد في غابات الأمازون، كما فعلت صاحبة تطبيق «روتس»، وعلى الأرجح لن يجدها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عقولنا نعم تضمر عقولنا نعم تضمر



GMT 04:55 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

أهليون

GMT 04:54 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الحروب والكروب و«شرّاي الطلايب»

GMT 04:53 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

إلى متى المسموح لإيران ممنوع على لبنان؟!

GMT 04:53 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

السودان... سلام مؤجل في متاهة الإقصاء!

GMT 04:52 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الممر الخفي داخل هرم خوفو

GMT 04:50 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

ليس أقل من أضعف الإيمان مع الكويت

GMT 04:43 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

المونوريل

GMT 05:30 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

ترمب يؤنب

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 13:35 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 06:03 2014 السبت ,27 كانون الأول / ديسمبر

المستشفى الجامعي الحسن الثاني في فاس الأفضل في المغرب

GMT 20:29 2025 الأربعاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

ترمب يحذر حماس من استئناف القتال الإسرائيلي بكلمة منه

GMT 03:51 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

دراسة طبية جديدة توضح أهمية الاعتماد على لبن الزبادي

GMT 16:24 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

تساقط أمطار غزيرة على مكة المكرمة

GMT 22:12 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

مروان خوري يستضيف ميس حمدان في حلقة جديدة من طرب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib