انهيارات كارثية في طرابلس اللبنانية

انهيارات كارثية في طرابلس اللبنانية

المغرب اليوم -

انهيارات كارثية في طرابلس اللبنانية

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

استفاقت مدينة طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، فجأة، ووجدت مبانيها يتساقط أحدها تلو الآخر، كأنها مشيدة من ورق. مشهد من الأفلام السوريالية. الأهالي من شدة استغرابهم، يتكلمون عن تدبير غامض، وعن سماعهم أصواتاً بعيدة أو ارتجاجات، قد تكون حفراً لأنفاق مخربين في باطن الأرض. هناك من يطلب للبنان النجاة، ولطرابلس الرحمة من سيناريو قادم يتم التحضير له بأيدٍ مجهولة. رئيس البلدية عبد الحميد كريمة، لم يستبعد وجود عنصر لم يكشف بعد. المهندس الجيولوجي سمير زعاطيطي يطلب فحصاً هندسياً للأعمدة السفلية لأنه وحده القادر على تأكيد أو نفي وجود تدخل بشري، استغل طبيعة الأرض «الخائنة» والرخوة تحت المباني.

خلال أسبوعين فقط، انهارت أربع عمارات، على دفعتين. في كل مرة مبنيان متلاصقان يخران كأنما سحبت من تحتهما الأعمدة ويتصدع محيطهما. كوارث خلفت ما يزيد على 18 قتيلاً عدا الجرحى. كل يوم، يخلى مبنى لأنه قد يتهاوى في أي لحظة. إجبار الأهالي على المغادرة، صار يتم بالقوة، لأن هناك من يرفض أن يتحول في طرفة عين، إلى مشرد في بلده.

كارثة جماعية بحق. تخيل مدينة كبيرة، تتهاوى أحياء منها، ويصبح هاجس كل امرئ أن ينبلج الفجر وهو حي. هذه حال مناطق شعبية واسعة، مكتظة بمئات الآلاف، يقطنون مباني قديمة متآكلة، تركت من دون صيانة. أما الزلازل الربانية فحدث ولا حرج. فأي حظ أن يكون لبنان على خط ارتجاجات مستمرة! وإذا أضفت الحروب التي توالت على هذه المناطق، تشعر بأن المظالم لا تأتي فرادى. من الحرب الأهلية التي تركزت في باب التبانة وجبل محسن، ومنطقة القبة، لتكون مرحلة السلم مجرد هدنة، وتعود المعارك إلى الأماكن نفسها مع اندلاع الثورة السورية، وتستمر أكثر من ستة أعوام. خلالها كانت الصواريخ حين تخطئ البشر يتزلزل ويرتج من فرط قوتها الحجر. ولا تزال العمائر «منخورة» بالرصاص، وفتحات القذائف في جدرانها.

مكائد سياسية قميئة، وتوظيفات انتخابية شريرة بالجملة، دارت في هذه الشوارع الضيقة المهيضة. فإفقار الناس وكيّهم بالحروب يجعلانهم طوع يدي الزعيم، وأصواتهم متاحة للشراء بأبخس الأثمان. إذ لا شيء يفسّر غياب النواب، وتقاعس وزراء من طرابلس تولوا حقائب أساسية عن فعل أي شيء، في أيام الرخاء كما في زمن الشحّ، إلا سوء النية.

مسؤول في البنك الدولي وجد في لبنان لفترة طويلة، أخبرني أنه نصح المسؤولين، إن كانوا يريدون النهوض اقتصادياً، أن يستثمروا في طرابلس العتيقة التي هي موضوع الكارثة اليوم وما أقيم إلى جوارها. فهي إغراء فريد لجلب السياح، فيها آثار مملوكية على مد النظر، أسواق وخانات وأزقة ومساجد وحمامات لا مثيل لها في كل لبنان، وقلعة صليبية هي الأكبر، وحرفيون بمستوى عالمي. وهي بنهرها الذي دمّر ثم سقف ثم شوه، لو أعيد النظر في وضعه المأساوي والمرتفعات المحيطة به والسلالم القديمة، وقربها من البحر، نموذج مثالي لما يمكن أن يبنى عليه أجمل المشاريع العمرانية.

ما حصل هو العكس. لا حصر للأسباب التي أوصلت أحياء طرابلس الشعبية إلى طريق عبثي مسدود، من سكوت البلديات على المخالفات المتوالية، إلى السماح بأبنية غير مطابقة للمواصفات، وإهمال المالكين، وجهل المستأجرين بشروط السلامة أو قلة حيلتهم. أضف أن التربة التي بني عليها في منطقة ضهر المغر، رطبة زادها بللاً تساقطات الأمطار الغزيرة هذا الشتاء. وبصوت خافت وبعيد يأتي الجيولوجي سمير زعاطيطي ليقول من دون أن يسمعه أحد إن منطقتي القبة وباب التبانة، وهما منطقتان شاسعتان، عليهما آلاف الوحدات السكنية التي تتكون من صخر «المارن» الذي يتشرب المياه كالإسفنج، ويتحول بمرور الوقت إلى وحول متحركة تترك فراغات خطيرة تحت الأعمدة، مما يؤدي إلى انهيار الهياكل فجأة.

أي إن التدعيم الذي ترصد له الميزانيات قد لا يكون سوى حقنة مخدرة، لعائلات محرومة أمنها، ومنتزع النوم من عيونها. مئات المنازل يفترض أن تسوى بالأرض ويعاد بناؤها، مناطق سكنية ممتدة، تحتاج إعادة تأهيل، ومئات آلاف العمائر تنتظر مسحاً شاملاً وسريعاً لإنقاذ حيوات مهددة.

أي نكبة! وأي توقيت الذي أعلنت فيه عمارات بنيت في خمسينات وستينات القرن الماضي انتهاء خدمتها، فيما معالم أثرية ملاصقة شامخة منذ مئات السنين لا تهتز! يقال لك إن تلك أقيمت على أسس صحيحة، بحفر عميق في باطن التربة وصل إلى الصخر المتماسك.

لعله كابوس أسود ينبلج منه نور للمستقبل. من فضائل هذه المأساة أن وعياً بدأ عند الأهالي، بضرورة صيانة مبانيهم، وكذلك إحساس مستجد من الحكومة بأنها لا تستطيع أن تتناسى مواطنيها لمجرد أن مزاجهم لا يعجبها.

نكبة كبرى، تواطأت الأطراف لعشرات الأعوام على صناعتها. وها هي النهاية قد أزفت، ومن دونهم مجتمعين متكافلين لا حلّ ولا خلاص.

تساقط مباني طرابلس القديمة هو انهيار لمرحلة لبنانية بأكملها بفسادها، وجهلها وطبقيتها وضيق أفقها، ومن دون رؤية شاملة لمشروع متكامل لطرابلس سيبقى العمل ترقيعاً مؤقتاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انهيارات كارثية في طرابلس اللبنانية انهيارات كارثية في طرابلس اللبنانية



GMT 10:03 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

العلاج بالصدمة

GMT 10:00 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

أهلا بوزير الإعلام!

GMT 09:57 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

مات البطل وبدأ المسلسل

GMT 09:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

نورية وبهية... والبقية

GMT 09:52 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

كلُّ شيء في روسيا من أجل الحرب!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 22:43 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
المغرب اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 05:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها
المغرب اليوم - تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح

GMT 09:15 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

حيل بسيطة لجعل ظلال العيون يدوم لساعات طويلة

GMT 05:39 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

مجموعة من النصائح لتجعل غرفة نومك مشرقة

GMT 15:59 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الفانيلا وعرق السوس أهم مكونات Le Parfum de Lolita Lempicka

GMT 14:38 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إدريس لكحل ونزهة غضفة يسبقان فوزي لقجع إلى موسكو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib