بقلم:أمينة خيري
سنوات طويلة وأنا أكتب عن المرور فى شوارع مصر. أتساءل وأنتقد وأغضب لجنون السير، وعدم تطبيق القوانين بشكل كاف، بدءاً من إصدار رخصة القيادة مروراً بتطبيق قواعد السلامة، وكذلك هذه الفوضى العارمة للملصقات على المركبات، وانتهاء بالبحث عن أسباب غياب الاهتمام بهذا الملف، وكأنه قضاء وقدر.
قبل عقود، بدأت مأساة الميكروباص، واتباع قادته وملاكه قوانين خاصة بهم، لا علاقة للدولة بهم. قبلها كانت «سيارات البيجو» التى كانت تسمى بـ«النعوش الطائرة»، نظراً لسرعاتها الشديدة على طرق السفر والحوادث المميتة التى كانت تنجم عنها. ثم دخلت مملكة الـ«توك توك» على الخط، وبعدها «الثمناية» وأغلبها نقل جماعى بترخيص ملاكى.
ويحتوى هذا الملف المهم على مدى التزام قادة المركبات بالقواعد، ومدى تطبيق القوانين من الأصل. ويمكن ذكر قائمة طويلة فى هذا الشأن، حيث السرعات الجنونية، والسير العكسى الفيروسى، والتخطى والانتظار الخاطئين، وعدم معرفة الكثيرين قواعد أولوية المرور، ومعانى الخطوط على الأرض، والخلط الهزلى بين الحرية الشخصية والالتزام بالقوانين.
ثم انضمت إلينا جيوش الدليفرى الجرارة، من دراجات نارية وهوائية، والتى تحولت حالياً إلى خليط من أدب روايات وأفلام «الرعب الغرائبي» و«الهلع الشيطاني» و«الفانتازيا المظلمة».
بداية، وللتوضيح، نحيى هذا القطاع المهم والحيوى الذى يؤدى خدمات عظيمة للملايين، وتحية أكبر للأفراد العاملين فيه، والذين لجأوا إلى «شغلانة شريف» ومضنية وخطيرة لتأمين لقمة عيش. الاحترام والتقدير شىء، والإشارة إلى خطر الموت الداهم، وفوضى تضاف إلى عشوائية كبرى فى الشوارع والميادين شىء آخر.
قبل نحو عامين كتبت سلسلة من المقالات عن جيوش الدليفرى وقواعد السير والسلامة على الطريق مع انتعاش هذا القطاع بشكل واضح، وانضمام أعداد غفيرة للعمل فيه. مما كتبت: «بين هؤلاء الجدعان الذين اختاروا العمل المضنى لكسب الرزق، من لا يعى من أمر قيادة الدراجة النارية سوى أنه دوس بنزين، سر بأقصى سرعة، اضغط على الكلاكس بهستيرية، اتبع أسلوب السير المتعرج، ولو احتدم الزحام وأحياناً بدون أن يحتدم، اطلع على الرصيف وقد بأقصى سرعة».
وكتبت: «مع تنامى الأعداد وانتشار الشركات والتطبيقات، ساد اعتقاد راسخ بين هؤلاء الجدعان بأن الموتوسيكل شأنه شأن الأفراد، يمكنه أن يعبر الطريق السريع أو العادى بالعرض، ومن حقه أن يسير عكس الاتجاه فى كل الطرقات.
ما تشهده الشوارع من هجوم عشوائى لدراجات تضرب بكل قواعد السير والسلامة عرض الحائط دون أن يستوقفها أو يسألها أو يسائلها أحد، يعنى أنه تم تمكين هذه الأعداد الغفيرة من الأشخاص من «موتوسيكلات» ودراجات وأغلبهم يفتقد إلى ألف باء قواعد السير.
اليوم، وصلت المأساة درجة أن يصارع المارة الموتوسيكلات على الرصيف. رد علىّ أحدهم قبل أيام حين أخبرته أن الموتوسيكل مكانه الشارع، والرصيف للمارة: «مين إللى قال كده. عادى. بنمشى بالراحة».
هل يعقل أننا عاجزون تماماً عن تنظيم قطاع الدليفرى المجنون أم أن «الفانتازيا المظلمة» قدرنا؟!