الجريمة موصوفة  فأين العقاب

الجريمة موصوفة ... فأين العقاب؟!

المغرب اليوم -

الجريمة موصوفة  فأين العقاب

بقلم : عريب الرنتاوي

رغم نواقصه الكثيرة، ولغته الدبلوماسية المهذبة غالباً و”المضللة” أحياناً ... ورغم تبرئته لساحة توني بلير وحكومته وأجهزته، من تهمة “تزوير الحقائق وتضليل الرأي العام”، وانصياعه للإملاءات الأمريكية التي ضربت طوقاً من السرية حول محادثات بلير مع جورج بوش الابن ومكالماته، وهي المفصل الأهم في ملف الحرب الأمريكية – البريطانية على العراق ... رغم كل هذه النواقص والمثالب والثغرات، سيظل تقرير السير دون تشيلكوت، وثيقة يمكن البناء عليها راهناً ومستقبلاً، بل ويمكن كما يقول الخبراء القانونيون، الاستناد إليها لجلب الجناة إلى العدالة الدولية.

لن تأخذنا “البروباغندا” التي صاحبت نشر التقرير، ولن تثنينا قصائد الغزل بالديمقراطية الغربية، التي تسمح بإجراء مثل هذه المراجعات والوقفات، بخلاف حالنا في ظل الأنظمة السلطوية والديكتاتورية ... فما نعرفه اليوم، قبل التقرير وبالأخص بعده، أننا كنا أمام “عصابة جريمة منظمة”، اتخذت قرار الحرب مبكراً، وبحثت لها عن مبررات، فحين عجزت عن توفيرها، عملت على “فبركتها”، ضاربة عرض الحائط، بكل ذيول الحرب وتداعياتها وأكلافها البشرية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، المستمرة حتى يومنا هذا، بل وحتى زمن قادم، غير منظور.

“عصابة” تذكّر، بأفلام “الغرب الأمريكي” ولا تتورع عن استخدام قاموسه الحافل بالبذاءات ... وجدت لها “تابعاً” في لندن، وضع عرش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، تحت نعال “المارينز”، كاوبوي العصر الحديث ... إنه طوني بلير، السياسي البريطاني المعروف، الذي اشتهر في منطقتنا كسمسار للنفط والغاز، ومتمم لوعد أسلافه في إنشاء وطن قومي لليهود، ولكن على عموم فلسطين التاريخية هذه المرة، وليس على أجزاء منها ... مندوب الرباعية الدولية، الذي مُنح هذا المنصب، كمكافأة نهاية خدمة، بالنظر لما قدمه لمحافظي واشنطن الجدد من خدمات جليلة طيلة فترة رئاسته لحكومة جلالة الملكة، كرّس كامل صلاحياته وخبراته، لقتل روح الشعب الفلسطيني الكفاحية (الانسان الفلسطيني الجديد)، وتطويعه على مقاس مشاريع نتنياهو وليبرمان ونفتالي بينت.

ولن نتوقف كثيراً عند ما يمكن لعائلات الجنود البريطانيين الـ “179” الثكلى، كما ينحو بعض الإعلام الغربي والعربي، فتلك قضيتهم، فهم من جاء ببلير وهم من أخرجه من الحكم، وبيدهم أمر مقاضاته من عدمه ... ما يهمنا هو مصير العراق والمنطقة، اللذان عاث بهما بلير فساداً وقتلاً وتدميراً، وأحالهما من حواضن للحضارات والأديان والثقافات، إلى خرائب ومجتمعات ممزقة، وحواضن للإرهاب والأصولية المتشددة، بعد أن هدّم الدولة العراقية بأجهزتها ومؤسساتها، وزرع بذور الفتنة المذهبية والطائفية، عملاً بنظرية أجداده، أباطرة المرحلة الكولونيالية: فرق تسد... ما يهمنا هو مصير مئات ألوف العائلات العراقية الثكلى التي ما كانت لتواجه هذا المصير، لولا وجود “أصحاب الفخامة والسيادة” من مجرمي الحرب في البيت الأبيض و10 داوننغ ستريت خلال تلك المرحلة الأحرج في تاريخ هذه المنطقة.

مؤسف أن بعض سياسيينا ومحللينا ومثقفينا، قد أحالوا مناسبة صدور التقرير، إلى طقس احتفالي، للإشادة بالديمقراطية الأنجلو ساكسونية، من دون أن يروا في التقرير، مناسبة للتوقف عند الكيفية التي أدير بها قرار الحرب، وجمعت بها “الأدلة” أو بالأحرى، فبركت ... من دون أن يروا الاستخفاف بدماء وحيوات أبنائنا وبناتنا ... بل ومن دون أن تستفزهم تصريحات طوني بلير المعقّبة على التقرير، والتي امتنع فيها حتى عن مجرد “الاعتراف” بخطأ قرار الحرب أو الاعتذار عنه، حتى أن الصلف والعنصرية والكراهية قد بلغت به حد القول، بأنه ليس نادماً على قراره، وأنه سيفعل أمراً مماثلاً، فيما لو قُدّر لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء.

صدور تقرير تشيلكوت، مناسبة لكل الحقوقيين العرب والعراقيين، لا لتصفية الحسابات الثأرية والانتقامية الداخلية، ولا للاحتفاء بالديمقراطية البريطانية، بل للغوص في أعماق التقرير، وتقليب كلماته التي زادت عن المليونين وستمائة ألف كلمة، من أجل أخذ القضية برمتها، قضية الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق، وما أعقبها وترتب عليها، إلى مرحلة أعلى من المسائلة والمحاسبة، ووضع كافة تفاصيلها الدامية والمدمرة، أمام العدالة الدولية، حتى لا نكون أمام جريمة موصوفة، من دون عقاب، وحتى لا يفلت الجناة والعابثون بمصائر أوطاننا وشعوبنا، من العقاب الذي استحقوه.

يد العدالة الدولية طويلة حين يتصل الأمر برئيس سوداني أو مسؤول عراقي أو سوري، ولكنها قصيرة للغاية، ومغلوله إلى عنقها، حين يتصل الأمر بالجناة ومجرمي الحرب “الكبار”، الذين لم يتوانوا عن الكذب والتضليل، ولم يترددوا في استخدام أبشع أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، والتي ما زالت تأتينا بأجيال مشوهة من أطفال الفلوجة والبصرة وبغداد ... فالعدالة إما أن تسري على الجميع، فتستحق اسمها وقيمتها السامية، وإما أن تخضع لمعايير مزدوجة، فتصبح أداة للقهر والتمييز.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجريمة موصوفة  فأين العقاب الجريمة موصوفة  فأين العقاب



GMT 15:22 2025 الجمعة ,02 أيار / مايو

سوريا الجديدة ومسارات التكيّف والتطويع

GMT 10:08 2024 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

عن تحولات الجولاني وموسم الحجيج إلى دمشق

GMT 07:14 2021 الجمعة ,24 كانون الأول / ديسمبر

"العالم المتحضر" إذ يشتري البضاعة القديمة ذاتها

GMT 06:17 2021 السبت ,18 كانون الأول / ديسمبر

"فتح" و"حماس" ولبنان بينهما

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib