قشّة الغريق وقشّة البعير

قشّة الغريق وقشّة البعير

المغرب اليوم -

قشّة الغريق وقشّة البعير

بقلم : عريب الرنتاوي

أجواء الارتياح تخيّم على رام الله إثر الاتصال الأول، غير المتوقع، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفلسطيني محمود عباس ... الإدارة الأمريكية منذ انتخابها، أقفلت هواتفها في وجه جميع “المكالمات” الفلسطينية، والقناة الأمنية، كانت القناة الوحيدة التي ظلت سالكة بالاتجاهين بين رام الله واشنطن (زيارة ماجد فرج لواشنطن وزيار مسؤول السي آي إيه) إلى رام الله... والأهم من المكالمة المفاجئة، ما جاء فيها من حديث عن دعوة عباس لزيارة واشنطن وإجراء محادثات مع سيد البيت الأبيض الجديد، وسط تسريبات عن إصرار الرئيس الأمريكي المثير للجدل، على إنجاز “صفقة كبرى” بخصوص الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وأحسب أن المكالمة جاءت في توقيت حرج ومهم جداً بالنسبة للرئيس الفلسطيني، فهو يواجه فتوراً يبلغ حد التأزم في علاقاتها مع بعض الدول العربية (مصر والإمارات بشكل خاص)، وزعامته تتعرض لمنافسة قوية من خصمين قويين، محمد الدحلان مدعوماً بهذا المحور، وحركة حماس مدعومة من المحور المقابل، التركي – القطري... والأهم من كل هذا وذاك، أن المشروع السياسي الذي ارتبط بالرئيس كما لم يرتبط بأي شخص آخر، مشروع المفاوضات والمزيد منها، يمر بحالة “موت سريري” منذ عدة سنوات، وينتظر أن يُهال عليه التراب، فكانت المكالمة بمثابة “القشة” التي يتعلق بها الغريق.

وتكتسب الاحتفالية بمكالمة ترامب – عباس، مزيداً من الألق جراء سلسلة الخيبات التي واجهتها القيادة الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ورئيسها المحمّل بالألغاز العصية على التفكيك والتحليل ... فهذه الإدارة، اسرفت في البوح عن انحيازها الأعمى لإسرائيلي، وهي دعمت الاستيطان و”شكلت لجنة ثنائية لإدارته مع الجانب الإسرائيلي”، وهي تعهدت بنقل السفارة الأمريكي من تل أبيب للقدس، والأهم، أنها لم تجعل من حل الدولتين، خياراً وحيداً لمعالجة القضية الفلسطينية، بل أبقت الباب مفتوحاً امام خيارات وبدائل أخرى، ومن بينها حل الدولة الواحدة.

اليوم، وبعد أن أصدرت إدارة ترامب ما يكفي من الإشارات الدالّة على تغيير في “لهجتها” وليس في مواقفها الرئيسة، تأتي المكالمة والدعوة، لتتوج هذا المسار ... الإدارة تبدي استعداداً للتريث في موضع نقل السفارة، وأركانها يعيدون التأكيد على التمسك بحل الدولتين، وتجاهل الفلسطينيين لم يعد خياراً، فجرى الإفراج عن مبلغ الـ 220 مليون دولار التي أمر الرئيس السابق باراك أوباما بتحويلها للسلطة وجمدها ترامب عند دخوله البيت الأبيض، ثم جاءت المكالمة الهاتفية ودعوة عباس لزيارة واشنطن والأحاديث عن إصرار الرئيس على جعل حل قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي جزءاً من إرثه الشخصي، ليتمكن من ترديد بيت الشعر العربي القديم الذي يقول: “أنا وإن كنت الأخير زمانه ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل”.

نعم، هي القشة التي انتظرها الغريق الفلسطيني منذ فشل آخر محاولة لإغلاق هذا الملف، بذلها وزير الخارجية الأمريكية السابق جون كيري قبل أزيد من عامين، وأحسب أنه من السابق لإوانه الإفراط بالاحتفاء بهذه المناسبة، فالقشة ذاتها قد تصبح من النوع القاصم لظهر البعير، لأننا لا نعرف بالضبط، ما الذي يجول في خلد الرئيس المثير للخلاف، وهل ستتمخض “الصفقة الكبرى” عن حل منصف للفلسطينيين وملبٍ للحد من حقوقهم الوطنية المشروعة، أم أنه سيأتي وفقاً لمعايير نتنياهو وترويكا الحكم في إسرائيل ... ثم لماذا هي صفقة “كبرى”، هل هي كذلك بسبب شمولها على مختلف عناصر الحل، وعلى مختلف الجبهات والملفات، أم هي “كبرى” بسبب شمولها لأطراف إقليمية ودولية عديدة، أم أنها كذلك، بسبب كل هذا وذاك وتلك.

قيل في وصف ترامب، من قبل زعماء التقوه في البيت الأبيض، أن الرجل مثل “البلدوزر”، وأنه يعي ما يقول، ويعني ما يقول، وأنه من نوع الرؤساء الذين إذا اقتنعوا بشيء فعلوه، واستثمروا فيه ووظفوا له ما يكفي من موارد ... ما ينقصنا الآن، هو معرفة إن كان ترامب يعي حقاً ما الذي يعنيه الحل المستجيب لمصالح مختلف الأطراف، وأنه يعي حاجة الفلسطينيين لحل عادل ومتوازن... إذ بخلاف ذلك، قد نواجه سيناريو يجد فيه الشعب الفلسطيني سلطة ومنظمة وحقوق نفسه وجهاً لوجه مع “البلدوزر” الأمريكي بأنيابه ومخالبه الفولاذية الحادة.

المصدر : صحيفة العرب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قشّة الغريق وقشّة البعير قشّة الغريق وقشّة البعير



GMT 15:22 2025 الجمعة ,02 أيار / مايو

سوريا الجديدة ومسارات التكيّف والتطويع

GMT 10:08 2024 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

عن تحولات الجولاني وموسم الحجيج إلى دمشق

GMT 07:14 2021 الجمعة ,24 كانون الأول / ديسمبر

"العالم المتحضر" إذ يشتري البضاعة القديمة ذاتها

GMT 06:17 2021 السبت ,18 كانون الأول / ديسمبر

"فتح" و"حماس" ولبنان بينهما

شيرين عبد الوهاب تستعيد بريقها بالأحمر في ظهور جديد يعكس الثقة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 11:58 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

حسام حسني يحلّ ضيفًا على برنامج "من غير سياسة" الإذاعي

GMT 07:24 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

هزة أرضية تضرب منطقة الحدود بين تركيا وسوريا

GMT 21:13 2020 الأحد ,21 حزيران / يونيو

«تيز ذا لو» يفوز بسباق بلمونت ستيكس

GMT 13:49 2018 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

"الرجاء" يواجه "الترجي التونسي" في السوبر الإفريقي

GMT 19:24 2020 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

بلاغ الدفاع الجديدي بخصوص تذاكر مواجهة الرجاء

GMT 06:54 2019 الخميس ,25 إبريل / نيسان

10 نشاطات سياحية يجب عليك تجربتها في أذربيجان

GMT 04:47 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

أجدد إطلالات ميلانيا بموضة المعطف

GMT 05:38 2019 السبت ,19 كانون الثاني / يناير

شركة "فورد" تُطلق سيارة "Explorer" رباعية الدفع

GMT 08:59 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

"A1 الهاتشباك الجديدة" ترضي جميع أنواع الشخصيات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib