الدعم الإسباني التاريخي للفلسطينيين بين الإرث السياسي والتضامن الشعبي وتصاعد التوتر مع إسرائيل
آخر تحديث GMT 13:20:45
المغرب اليوم -

الدعم الإسباني التاريخي للفلسطينيين بين الإرث السياسي والتضامن الشعبي وتصاعد التوتر مع إسرائيل

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - الدعم الإسباني التاريخي للفلسطينيين بين الإرث السياسي والتضامن الشعبي وتصاعد التوتر مع إسرائيل

تظاهرات مناصرة للشعب الفلسطيني
مدريد - المغرب اليوم

شهدت العاصمة الإسبانية مدريد، في 14 سبتمبر/أيلول 2025، حدثاً سياسياً بامتياز تمثّل في إلغاء المرحلة الختامية من سباق "طواف إسبانيا للدراجات" بعد أن اقتحم محتجّون مؤيدون للقضية الفلسطينية المسار، احتجاجاً على مشاركة فريق "إسرائيل بريميير تيك" وتنديداً بالهجوم الإسرائيلي المتواصل على غزة. هذا الحدث الرياضي تحوّل إلى ساحة تضامن شعبي، تلَوّنت فيها شوارع المدينة بالأعلام الفلسطينية، ما أعاد تسليط الضوء على جذور العلاقة التاريخية المعقّدة بين إسبانيا والقضية الفلسطينية، وتأثير ذلك على علاقتها المتوترة حالياً مع إسرائيل.

على مدار مراحل الطواف، رافقت الاحتجاجات الفريق الإسرائيلي من مدينة إلى أخرى، وسط هتافات مؤيدة لفلسطين من بينها "الحرية لفلسطين" و"إبادة جماعية"، والتي اختلطت بتصفيق الجماهير للدراجين. ومع وصول المسابقة إلى العاصمة، تصاعدت حدة المظاهرات، وتسببت في تعطيل السباق بشكل كامل، ما أثار ردود فعل سياسية حادة داخل البلاد، واتهامات متبادلة بين الحكومة والمعارضة حول المسؤولية عمّا جرى.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كان قد أعرب قبل أيام من الحدث عن "إعجابه بشعبٍ مثل الشعب الإسباني يتحرّك من أجل القضايا العادلة، كقضية فلسطين"، وهو ما أثار انتقادات من قِبل أحزاب اليمين التي اتهمته بالتحريض السياسي. من جانبه، صرّح عمدة مدريد خوسيه لويس مارتينيز، المنتمي إلى حزب الشعب المحافظ، قائلاً: "ما حدث اليوم في مدريد هو نتيجة للكراهية والعنف اللذين جرى تأجيجهما بلا مسؤولية في الأيام الأخيرة من قِبل قادة اليسار، ومن قِبل قيادات في الحكومة، ولا سيما من الرئيس بيدرو سانشيز".

من جانبها، لم تتأخر الحكومة الإسرائيلية في الرد، حيث حمّل وزير الخارجية جدعون ساعر، رئيس الحكومة الإسبانية المسؤولية الكاملة عن ما وصفه بـ"تحريض الحشود المؤيدة لحماس"، مضيفاً أن "سانشيز وحكومته عارٌ على إسبانيا"، مشيراً إلى أن تصريحاته الأخيرة ساهمت في تأجيج الشارع الإسباني ضد إسرائيل، لدرجة أن السباق لم يكتمل بسبب ضغط الاحتجاجات.

وبالرغم من هذا التصعيد السياسي، إلا أن حجم التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية في إسبانيا ليس مفاجئاً، بل يعكس توجهاً تاريخياً راسخاً. وفقاً لاستطلاع رأي حديث أجراه معهد "إلكانو الملكي"، يرى 82% من الإسبان أن ما تقوم به إسرائيل في غزة يشكّل "إبادة جماعية". ويزداد هذا الرأي وضوحاً بين فئات المجتمع المختلفة، حيث يعتقد 97% من الذين يصفون أنفسهم باليساريين، و85% من الوسطيين، وحتى 62% من اليمينيين أن إسرائيل ترتكب أعمالاً غير مبرّرة بحق الفلسطينيين.

هذا التضامن الشعبي يعود بجذوره إلى الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حين كانت إسبانيا تحت حكم الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو (1939 - 1975)، الذي أبقى على مسافة من إسرائيل، ولم تعترف حكومته بالدولة العبرية. في تلك الفترة، عانت إسبانيا من عزلة دولية بسبب علاقاتها مع دول المحور، ووجدت في العالم العربي، خصوصاً الدول التي كانت تخرج من الاستعمار وتتبنى خطاباً مناهضاً للهيمنة الغربية، حليفاً ومتنفّساً دولياً.

وكان الدعم العربي أحد العوامل التي ساهمت في رفع العزلة عن مدريد، وصولاً إلى قبول عضويتها في الأمم المتحدة عام 1955، بعد سنوات من الرفض الدولي. خلال تلك العقود، سافر عدد كبير من الطلاب العرب، وبينهم فلسطينيون كثر، للدراسة في الجامعات الإسبانية بفضل التسهيلات التي قدّمتها الحكومة، وانخفاض تكاليف المعيشة، وهو ما أسّس لجاليات عربية ذات حضور ثقافي واجتماعي قوي في البلاد.

كما أن المجتمع الإسباني، الذي لم يشارك في الحرب العالمية الثانية، لم يكن يحمل نفس الشعور الجماعي بالذنب حيال الهولوكوست، وهو ما جعله أكثر ميلاً للنظر إلى القضية الفلسطينية من منظور إنساني وحقوقي لا تحكمه اعتبارات الحرب ولا حسابات الخوف من معاداة السامية. ومن هنا، اكتسبت القضية الفلسطينية حضوراً مبكراً ومؤثراً في وجدان الشارع الإسباني.

ويُستذكر في هذا السياق زيارة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لإسبانيا عام 1979، حيث استقبله أول رئيس حكومة ديمقراطية بعد فرانكو، أدولفو سواريز، في مشهد اعتُبر وقتها تحوّلاً كبيراً في طريقة تعاطي الغرب مع القيادة الفلسطينية. كانت إسبانيا حينها أول دولة أوروبية غربية تمنح عرفات هذا النوع من الاعتراف السياسي، وهو ما عزز حضور فلسطين في الوعي الإسباني الرسمي والشعبي.

لكنّ هذا الميل لم يكن حكراً على اليسار. فحتى الحكومات المحافظة اتخذت مواقف داعمة للفلسطينيين، فقد صوّتت حكومة ماريانو راخوي اليمينية في الأمم المتحدة لصالح منح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو"، كما اعترفت الحكومة الاشتراكية الحالية عام 2024 رسمياً بالدولة الفلسطينية، ووصفت ذلك بأنه "ضرورة لتحقيق السلام، وعدالة تاريخية للشعب الفلسطيني"، بحسب

العلاقة مع إسرائيل، رغم هذا السياق، كانت تمرّ بفترات من التفاهم والتعاون، شملت التبادل التجاري والأمني، ووصلت إلى مراحل متقدمة من التقارب الرمزي، أبرزها في عام 2015 حين صدر قانون منح الجنسية الإسبانية لأحفاد اليهود السفارديم الذين طُردوا من البلاد في القرن الخامس عشر. ورغم أن البعض اعتبر هذا القانون إشارة إيجابية تجاه إسرائيل، إلا أن غياب قانون مماثل للموريسكيين - وهم مسلمو الأندلس الذين طُردوا أيضاً - فتح نقاشاً حول معايير العدالة التاريخية في السياسات الإسبانية.

غير أن العلاقات تدهورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع حكومة بنيامين نتنياهو، التي تضم ائتلافاً من اليمين المتطرف والمجموعات الدينية المتشددة. وقد زادت حدّة التوتر بعد إعلان إسبانيا في سبتمبر 2025 عن تسعة إجراءات ضغط على إسرائيل، تشمل حظر تصدير الأسلحة إليها، ودعوة الاتحاد الأوروبي والاتحادات الرياضية إلى استبعاد إسرائيل من الفعاليات الدولية، في خطوة رأى فيها سانشيز محاولة لوقف "الإبادة الجماعية" في غزة.

وأعلنت إسبانيا رسمياً عدم مشاركتها في مسابقة "يوروفيجن" إذا سُمح لإسرائيل بالمشاركة، وهو ما اعتبرته تل أبيب حملة عداء منسّقة ضدها. وردّت إسرائيل باتهام الحكومة الإسبانية بمعاداة السامية، بل وذهبت إلى اتهامها بمحاولة "ارتكاب إبادة جماعية بحق الإسرائيليين".

ومع اشتداد هذا التوتر، يرى مراقبون أن إسبانيا تسير باتجاه واضح في مواقفها السياسية، يعكس ضغوطاً شعبية كبيرة، وتحوّلاً في الرؤية الأوروبية بشكل عام تجاه السياسات الإسرائيلية. ويقول هيثم عميرة فرنانديز، مدير مركز الدراسات العربية المعاصرة: "ما تفعله إسرائيل غير قابل للاستمرار"، مشيراً إلى أن "أكبر مخاوف الحكومة الإسرائيلية حالياً هو أن تُعامل كدولة منبوذة، وأن يُنظَر إليها كطرف خارج السياق الدولي الطبيعي، سواء في الرياضة أو الفن أو السياسة، وهذا السدّ بدأ فعلاً بالانهيار".

وفي ظل تصاعد حركات التضامن مع فلسطين داخل المجتمع الإسباني، وتنوّع مكوّناتها من حقوقيين وأطباء وأكاديميين ونقابيين، بات من الصعب تحجيم تأثيرها أو عزلها سياسياً. هذه الحركات، كما تقول أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مدريد المستقلة، لوس غوميز، "تخاطب المجتمع من زوايا متعددة، وهو ما يمنحها حصانة شعبية في وجه محاولات الشيطنة أو التهميش".

وبينما تستمر الحكومة الإسبانية في تصعيد مواقفها ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي، يبدو أن الدعم الشعبي المتجذر، والتاريخ السياسي الطويل في التعامل مع القضية الفلسطينية، قد جعلا من مدريد اليوم واحدة من أبرز العواصم الأوروبية التي تتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفه قضية عدالة لا تخضع لحسابات المصالح المؤقتة
قد يهمك أيضــــــــــــــــًا :

إسرائيل تعتقل 3 فلسطينيين بزعم محاولتهم تصنيع صواريخ

 

بنيامين نتنياهو يُشيد بدور إسرائيل في صناعة الهواتف خلال لقائه وفدًا من الكونغرس الأميركي

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدعم الإسباني التاريخي للفلسطينيين بين الإرث السياسي والتضامن الشعبي وتصاعد التوتر مع إسرائيل الدعم الإسباني التاريخي للفلسطينيين بين الإرث السياسي والتضامن الشعبي وتصاعد التوتر مع إسرائيل



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 05:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها
المغرب اليوم - تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2020 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

التشريح الطبي يحدد سبب وفاة الطفلة "غزلان" في آسفي

GMT 00:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

ظافر العابدين يؤكد أنه لن يخوض سباق رمضان 2019

GMT 14:50 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

توقيف شاب سرق "معزة" من امرأة قروية في بني ملال

GMT 06:38 2018 السبت ,30 حزيران / يونيو

مجدي عبد الغني ينفي.. وبوابة أخبار اليوم تتحدى

GMT 13:29 2016 السبت ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شركة مرسيدس تكشف النقاب عن E63 و E63 S

GMT 08:14 2021 الخميس ,13 أيار / مايو

Tab 9من بلاك فيو تابلت بمواصفات لاب توب

GMT 02:36 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر الدرهم المغربي مقابل الجنيه المصري الخميس

GMT 12:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 07:41 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

الاعلامية ماجدة القاضي تحب العمل في التليفزيون المصري

GMT 08:29 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

نغم منير تطلق تصميمات غير تقليدية من "الكيمونو"

GMT 11:37 2017 الثلاثاء ,08 آب / أغسطس

توقعات أحوال الطقس في كلميم الثلاثاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib