سمير قصير وبيروت التي نستعيدها

سمير قصير وبيروت التي نستعيدها

المغرب اليوم -

سمير قصير وبيروت التي نستعيدها

مصطفى فحص
بقلم - مصطفى فحص

عشرون سنة مرّت، وسمير قصير جالسٌ وسط بيروت، ينتظر ربيع العاصمة التي قدّم مهرها حلماً علّقه على جدار «النهار»، ودماً سال في شوارعها. عشرون سنة، وسمير يتجوّل على أرصفة بيروت، يتنقل من ساحة رياض الصلح إلى ساحة الشهداء، يؤرّخ ذاكرة المدينة ليحميها من حقد غزاةٍ يمرون، واستبدادٍ رحل، وخوف من أن يخطف ذاكرتها شُذَّاذ آفاقٍ تسلّطوا عليها وحاولوا تشويهها.

طال انتظاره، لكنه لم ييأس، ظل صامداً، مؤمناً بربيع العواصم التي أحبّها، يردّد في وحشته قصيدة صديقه محمود درويش «وعود من العاصفة»، رافعاً نَخْبَ الحرية لبيروت ودمشق، وعيناه ترنوان نحو بغداد والقدس.

في وسط المدينة، لم يكن سمير وحيداً، كان دائماً محاطاً بزملائه ورفاقه ومريديه، تارةً كانوا بعدد أصابع اليد، وتارةً كانوا مئات الآلاف، التفُّوا حوله في «14 آذار» (مارس)، والتفوا من أجله في انتفاضة «17 تشرين الأول» (أكتوبر). وما بينهما، سوريون عظماء: أطفال وشيوخ، شابات وشبّان، نساء ورجال، وجنود أعلنوا في 18 مارس (آذار) كسر جدار الخوف في سوريا. وعراقيون شجعان واجهوا عراةً، رصاص قنّاصين ملثّمين، لكنهم معروفون. حينها يا سمير، أصبح موتنا وموتهم كموتك، معلناً.

في ربيع بيروت، هزّت مليونية «14 آذار» كرسي القابعين في قصرَي بعبدا والمهاجرين. يومها، عمل وُشاتهم على تسجيل ما قلته علناً كأنّه مؤامرة تهدّد وجودهم: «إن ربيع العرب حين يزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق»، فقتلوك. قتلوك كما قتلوا رفيق الحريري وجبران وجورج وبيار وآخرين، قتلوكم لأن الخوف منكم مسّ طمأنينتهم الهشة، وعرفوا أن الحرية تعريفٌ للبنان، وأن حرية سوريا من دون حرية لبنان منقوصة، والعكس بالعكس. قتلوكم كي لا يكبر لبنان أكثر من حجمه، وكي تبقى سوريا أقل من حجمها.

عشرون عاماً، وأنت على جلستك مستنداً إلى حائط «النهار»، تقلّب صفحات الجريدة، تقرأ أخبار من هاجروا أو اختفوا، وأخبار من قضوا نحبهم أو اغتيلوا، ومن لم ييأسوا. تقرأ عن قلّة بقيت إلى جانب نصبك، تتظلّل بالشجرة، تحتمي بظلك، وتؤمن بأن الإحباط ليس قدراً.

عيناك المشرقتان كعينَي صديقك هاني فحص، كنت ترى فيهما الآخرين مثله، ترى الناس جميعاً، وتنظر إلى وجوههم لتقف على أتراحهم وأفراحهم. كثيرون منهم غابوا عنَّا والتحقوا بك، ولا بد أنك عثرت بينهم على وجه لقمان سليم.

ولا بد أنك لاحظت هذا العام أن المخبرين الذين كانوا يلتقطون صورنا ليضعوها في محاضرهم السوداء قد اختفوا... وانزعجت عندما سمعت أن «زوار الفجر» يحاولون العودة إلى ارتكاباتهم، وأنهم اقتحموا أوراق وسام سعادة ودفاتره فوجدوا ما لا قدرة لهم على فهمه، وأن من تبقّى من حرّاس الاستبداد مرضى بِبُغْضِهم، يصعب عليهم الاقتناع بأن بيروت استعادت وهجها، وأن مشهد يوم الأحد الفائت كان قاسياً على قلوبهم.

في ذكرى ربيعك، وربيع العاصمة التي تستعيدها كما تحب هذا العام، كان نواف سلام حاضراً من دون ألقابه، ومن دون ربطة عنق. كان واحداً منّا، وفيّاً، يشبهنا ونشبهه. له ما له وعليه ما عليه في مهامِّه الصعبة، ولنا وما علينا في حراسة حلمك، مطمئنين إلى وجدان نواف سلام وحكمته وصبره، رغم أننا لا نزال قلقين من وحشة الطريق ومن كمائن غيلان المال والسلاح.

سمير، أيها الحالم الأبديّ، بيروت حلمنا وخيمتنا الأخيرة، بأرصفتها ومقاهيها ومكتباتها، وبضيق شوارعها وازدحامها، بهتاف شبابها، وبوجع ضحاياها، وحطام مرفئها، تستردّ عافيتها... ونستعيدها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سمير قصير وبيروت التي نستعيدها سمير قصير وبيروت التي نستعيدها



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib