«حزب الله» ومسؤوليّة اللبنانيّين الذاتيّة

«حزب الله» ومسؤوليّة اللبنانيّين الذاتيّة

المغرب اليوم -

«حزب الله» ومسؤوليّة اللبنانيّين الذاتيّة

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

أستميح القارئ عذراً إذ أستعيد صورةً سبق أن استخدمتُها قبل سنوات في وصف العلاقة بين لبنان و«حزب الله»:

على مدى عقود عمل النظام الإيرانيّ ونظام الأسد في سوريّا على إطعام الوحش وتسمينه داخل غرفة صغيرة هي لبنان. وبالفعل كبر الوحش وتضخّم حتّى غدا حجمه يعادل حجم الغرفة، فأصبح التخلّص منه يهدّد بتصديع الغرفة نفسها.

وهذه الحال ليست غريبة، وإن اختلفت الأسماء، عن أحوال عربيّة مشابهة سُمّنت فيها الوحوش لهذا السبب أو ذاك، بحيث تقدّم لإنجاز العمل هذا طرف خارجيّ يصعب التحكّم بحركته وأغراضه أو تكهّن نواياه.

فهو، بمعنى ما، ما حصل في العراق الذي حكمه «البعث» منذ 1968 حتّى 2003، وما حصل في ليبيا التي حكمها القذّافي منذ 1969 حتّى 2011. وتاريخنا الحديث غنيّ في تجاربه التي تقول إنّ المبادرات النابعة من أسباب توصف بأنّها دينية أو قوميّة أو قَبَليّة، أكبر كثيراً من مُحفّزات التغيير لأسباب تطال النظام السياسيّ والعلاقات الاجتماعيّة. وواقع كهذا هو ما مكّن حكّاماً لم يتعفّفوا عن إنزال الإبادات بشعوبهم من أن يستمرّوا في حكمها عقوداً، ومكّن حزباً كـ«حزب الله» من أن يفعل بلبنان واللبنانيّين (وبالسوريّين والعراقيّين واليمنيّين) ما فعله، وأن يُنظر إليه، في الوقت عينه، على أنّه المقاومة المجيدة بألف ولام التعريف.

والحقّ أنّ لبنانيّين كثيرين، كزملاء لهم في الشعوب المذكورة، قاوموا وتحمّلوا العنف وتبعاته، وليس من الأمانة الاستهانة بمحاولاتهم التصدّي، مرّة بعد مرّة، لنظامين شرسين توافقا على رعاية «الحزب المقاوم»، وشكّلا معه «النظام» القائم.

لكنّ الحديث عن مسؤوليّة ذاتيّة عريضة يبقى مبالغة تفيض كثيراً عن الواقع. فقد ذهب بعيداً التعايش مع ذاك «النظام» وتبريره وتسمينه، ولا يزال الاعتذار عن المساهمة في الكوارث التي أنزلها، ناهيك عن التعلّم منها، مسألة مؤجّلة.

فبين اللبنانيّين شاركت في أداء الوظيفة هذه بيئة الكائنات الرخويّة من أعيان صغار وكبار، وهم تعريفاً ليسوا عديمي التمثيل والفعّاليّة. وفي الوسط هذا امتُهن التسابق على امتداح «الحزب» وزعيمه الناضح بالكاريزما والواعد بالانتصارات بوصفه جزية تُدفع مقابل الحصول على تنفيعات وخدمات.

وشاركت أيضاً بيئة من الآيديولوجيّين الذين رأوا في «الحزب» قاطرة «القضيّة المقدّسة». ولأنّ هؤلاء أكثر اشتغالاً بالأفكار والمعاني، فقد طوّروا الفكرة القائلة إنّه حتميّ الوجود لأنّ الاحتلال هو الذي يأتي بالمقاومة. لكنّ الاحتلال لم يكن حتميّاً، إذ المقاومة، وكانت فلسطينيّة يومذاك، هي التي جاءت به. وبدل الانكباب الوطنيّ على تجنّب تكرار مأساة كهذه، تمّت المداواة بالداء الأصليّ، فكانت مقاومة «حزب الله» التي فاقت سابقتها قوّة وصلافة واستدعاء للاحتلال. بعد هذا، انسحب الاحتلال في عام 2000 لكنّ المقاومة بقيت، فتبيّن أنّ المقاومة، لا الاحتلال، هي علّة نفسها، وأنّها هي ما ينجب الاحتلال، وليس العكس. فحينما بدا أنّ ثمّة حاجة داخليّة وإقليميّة لإعادة تشديد القبضة التي هدّدتها ظاهرة «14 آذار» والانسحاب السوريّ من لبنان، اختطف «الحزب» جنديّين إسرائيليّين ووُصفت الحرب التي تلت الخطف بـ«العدوان على لبنان»، وتواطأ الكلّ على الغرف من هذا القاموس المراوغ، ثمّ استمرّ الأمر نفسه مع «حرب الإسناد» التي بدأها «الحزب» فكسبنا بها «عدواناً [آخر] على لبنان»...

فإذا أضفنا البيئة الثالثة التي ترتبط بـ«الحزب» ارتباطاً آليّاً، وهي بلا أيّ قياس أعرض من البيئتين السابقتين، وضعنا اليد على التقصير الوطنيّ في أداء الواجب كما تتصدّى له شعوب وبلدان تنتج نُخباً تفكّر وتسعى إلى تجنّب الهزائم والويلات.

وكثيراً ما يستشهد المؤرّخون ودارسو الأفكار بمَثَل كلاسيكيّ قدّمته ألمانيا بعد الحرب العالميّة الأولى. فبدل دراسة الهزيمة والتنقيب في جذورها الفكريّة والسياسيّة والعسكريّة، سادت خرافة «الطعن في الظهر» التي يُفترض أنّ الأمّة الألمانيّة تعرّضت لها. ذاك أنّ الأخيرة لم تُهزم في الحرب لكنّ جوقة من السياسيّين والاشتراكيّين واليهود هم الذين طعنوها في ظهرها فكان ما كان. وقد تولّت الخرافة هذه تعطيل النقاش حول أحوال الأمّة بإلقائها اللوم على آخرين، مساهِمةً بالتالي في صعود الوحش النازيّ، ومن ثمّ اندلاع الحرب العالميّة الثانية.

لكنّ التنصّل من المسؤوليّة العامّة قد يتّخذ شكلاً آخر هو، هذه المرّة، التعويل على إسرائيل التي تنجز المهمّة. وبدل الاكتفاء، ونحن مكسورون حزانى، بتقبّل أمرٍ واقعٍ لم يعد هناك بديل عنه، والاحتفاظ بالمخاوف والقلق والشكوك المستمدّة من ألف سبب وسبب، يسود تهليل ساذج بـ«الرائعين السبعة» الذين يتقدّمهم يول براينر ما لتحريرنا، مثلما حرّروا بؤساء القرية المكسيكيّة من عصابة قطّاع الطرق.

وقد تكون أفعال «الحزب» الخرابيّة ما يفسّر هذا الميل عند البعض، لكنّه لا يقطع الطريق على تكرار المآسي، ولا يعلّم اللبنانيّين أو يطالبهم بإجراء أيّ تحوّل في ذواتهم يتيح لهم أن يمسكوا، للمرّة الأولى، بتاريخهم وبتحريك دفّة هذا التاريخ. وهذا إن بقي شيء من الغرفة التي سُمح للوحش المقيم في داخلها بأن يصير من الضخامة ما صار عليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حزب الله» ومسؤوليّة اللبنانيّين الذاتيّة «حزب الله» ومسؤوليّة اللبنانيّين الذاتيّة



GMT 06:34 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

تذكرة المليون

GMT 06:32 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

رسالة فان جوخ التى لم يكتبها

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

زمن الحرب ؟!

GMT 06:46 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

عودة الحربِ أو الحصار

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«فيفتي فيفتي»

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ساعة الالتفاتِ إلى الساعة

GMT 06:42 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

أمير طاهري و«جوهر» المشكلة

GMT 06:41 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان... مواجهة لعبة التفكيك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 10:08 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مذيعة فوكس نيوز تكشف تفاصيل حوار مرتقب مع ترامب
المغرب اليوم - مذيعة فوكس نيوز تكشف تفاصيل حوار مرتقب مع ترامب

GMT 20:58 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 08:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 14:58 2017 الأحد ,31 كانون الأول / ديسمبر

تألق عادل تاعرابت يقربه من مونديال روسيا 2018

GMT 08:20 2018 الأربعاء ,04 إبريل / نيسان

جددي منزلك في الربيع من أفضل المتاجر عبر الإنترنت

GMT 19:08 2016 الثلاثاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد عبد العال يؤكد أن هناك سحبًا مصحوبة بأمطار في مصر
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib