الطائفيّة التي نتجاهلها

الطائفيّة التي نتجاهلها!

المغرب اليوم -

الطائفيّة التي نتجاهلها

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

في الآونة الأخيرة، وبالتفاعل مع مأساة الساحل السوريّ، سُمعت أصوات كثيرة يمتزج فيها الندم بالاعتذار: لم نقدّر أنّ الطائفيّة على تلك القوّة التي بدت عليها.

فمن أين يأتي هذا الإغفال المتمرّد على شواهد لا تُحصى؟

أغلب الظنّ أنّ ثمّة ميلاً إنسانيّاً رديئاً يغازله الإغفال، مفاده صمت المرء عن نواقص عالمه وعن قصوره. فمُربكٌ ومنغّص إقرار واحدنا بأنّ عطلاً عميقاً يقيم في بيته وأهله وجماعته. وفي المقابل، تستقرّ النفس على استواء هانئ حين نرسم صورة تطفح بالورد عن «أهلنا» الأحبّاء المظلومين.

لكنّ الطائفيّة هي، بمعنى ما، نحن. فهي ليست الدين، ولا رذيلة متأصّلة فينا منذ أجدادنا الأوّلين. إنّها علاقة سياسيّة، وبالتالي ثقافيّة، حديثة في اسمها وفي اشتغالها، من دون أن ينقطع استلهامها لتركيب مجتمعاتنا العصبيّ القديم. ذاك أنّ الأخير أحياه، بدل أن يتجاوزَه، نوع استقبالنا الحداثةَ، ونوع بنائنا الدولَ والسياسة والاقتصاد...

وتجاوباً مع ميل الإغفال، تحضر الآيديولوجيّات النضاليّة عن العداوة لتعزّز تلك الصورة. فالعدوّ، الاستعماريّ والصهيونيّ والشيطانيّ، ينبغي رسمه كَسَلْب أقصى، كي يطمئنّ يقيننا إلى أنّنا إيجاب أقصى. وفي هذا الإيجاب، الذي يتجسّد فينا، يستحيل أن توجد ظاهرات «معيبة» كالطائفيّة والعشائريّة وسواهما.

وفي مُضيّنا باللعبة إلى أواخرها، يتولّى العدوّ إيّاه «بذر» ما قد يُضبط فينا من سيّئات يصعب إخفاؤها. فهو، لأنّه مطلق العداوة ومطلق السوء، يبذر في تربتنا الفتنة والشقاق، والطائفيّة في عدادهما. هكذا تغدو تلك «الآفة» من نتائج انخراطنا في السوق العالميّة، و«تغلغل» الرأسماليّة فينا، وإصلاحات ابراهيم باشا المتأثّرة بالغرب. وهذا علماً بأنّ صحّة تأويل كهذا تجعل تجميد التاريخ ووقف الحياة شرطاً لوقف التآمر علينا.

ولأنّ تلك الطائفيّة صُوّرت خارجيّةً وطارئة، تسبّبَ بها «العدوّ»، يتكفّل بالشفاء منها وعي آخر قوميّ أو علمانيّ أو ديمقراطيّ، لا نبلغه إلاّ في سياق الصراع مع «العدوّ»، باذرِ الشقاق، ومعه التخلّف والتأخّر. هكذا نهوّن الأمر على أنفسنا بفولكلور متقادم: فالمسيحيّ فارس الخوري سبق أن صلّى في الجامع الأمويّ، وقبله أعلن الدرزيّ سلطان الأطرش الثورة على الفرنسيّين، بينما كان العلويّ صالح العلي يُكمل في الساحل ما بدأه ابراهيم هنانو في حلب.

لكنْ إذا كان الجهد المطلوب إيقاظ تلك اللحظات المضيئة، والقفز قرناً كاملاً إلى الوراء لإعادة إجلاس السادة المذكورين في حضن «الشعب الواحد»، فإنّ «العدوّ» إيّاه، في مطاردته لنا بالشرور، لا يدعنا نفعل ذلك، إذ يواجهنا بآلاته الاستشراقيّة التي تُخبرنا أنّنا على شيء من الطائفيّة!. واستكمالاً لصورة الشرّ المطلق، يعثر مثقّفونا على ما يلهب مخيّلتهم في كلّ صفحة يكتبها غربيّ نقداً للغرب والحداثة والعقل والتنوير، ممّا تفصلنا عشرات السنين عن بلوغ تناقضاتها.

وإذ يُرسَم الرئيس الأميركي دونالد ترمب معادلاً حصريّاً لما آلت إليه تلك المعاني، لا ينجو من اللعنة إلاّ طلاّب جامعات كولومبيا المُصرّون على «نزع الاستعمار».

وإلى أفعال «العدوّ»، وهو ليس بريئاً بأيّة حال، تُضاف أفعال «النظام»، وهو أيضاً غير بريء. لكنّ «النظام»، كـ«العدوّ»، خارجيّ، منشقّ عن الأصالة والطيبة اللتين فينا، وهابط علينا من السماء. وهذا علماً بأنّ أسوأ ما يفعله «النظام» تجديده العلاقات العصبيّة «الأصيلة» عبر جهاز الدولة وتقديماته وفُرصه.

ووراء تأويل الكون بـ«النظام» (وهو غالباً ما يُرسَم عوناً للعدوّ ولو تظاهر بالعكس) تقيم ثنائيّة حصريّة وساذجة أخرى: فهناك هذا النظام، مؤسّس العيوب، وهناك الشعب أو الجماهير ممّن هم ضحاياها. ويستند التصوّر هذا إلى المبالغة في أنّنا شعب واحد وأمّة واحدة، وتحويل مهامّ صعبة مطروحة للمستقبل، وغير مضمونة النتائج، إلى وصف مُريح لواقع ناجز. هكذا لا يعود مطلوباً سوى الانتقال من مسح الدم عن السكاكين إلى اختيار «تغيير ديمقراطيّ» أو «وطنيّ ديمقراطيّ» أو «ديمقراطيّ علمانيّ»...

في هذا كلّه تحتلّ مساحةً تكاد لا تُذكر موضوعاتٌ ذاتيّة الصنع، من صنف «دين الدولة» و«دين رئيس الدولة» و«مصادر التشريع». وبمساحة ضئيلة مماثلة تحظى مكافحة الروابط العابرة للأوطان، والأوطانُ ودولها هي وحدها ما يحمي الجماعات الأضعف ويُخضع الجموح الآيديولوجيّ للقانون بوصفه حصنها الضعفاء وملاذهم. وليست محاربة «العدوّ» حتّى الرمق الأخير سوى مسمار آخر ندقّه في نعشنا. ذاك أنّ تسييد القضيّة الواحدة يحمل على تصغير قضايا الحقوق والحرّيّات، إن لم يكن تصفيرها. والضعفاء، تعريفاً، ينشدّون إلى تعدّديّة القضايا، ولا يطمئنهم إلاّ عالم قليل السلاح وعديم الكلام المسلّح. أوليس لافتاً، من منظور مشرقيّ، ذاك الانتقال بين ليلة وليلة من الاصطهاج بـ«طوفان الأقصى» إلى «التذابح بين الأخوة»؟

وهذه جميعاً، من دين الدولة وتجديد العصبيّات وغلبتها إلى الوعي العابر للحدود إلى القضيّة الواحدة...، تناقض تماماً ما اصطُلح على تسميته بالغرب وتناوئ اقتراحاته، متوهّمةً بهذا إكمال المعركة ضدّه. لكنّنا، أقلّه كي لا نُفاجأ ثانية بالطائفيّة، مدعوّون إلى التنقيب في أحوالنا وأفكارنا، وفي إسهامنا بتعزيز تلك الطائفيّة من حيث أردنا محاصرتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطائفيّة التي نتجاهلها الطائفيّة التي نتجاهلها



GMT 15:51 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 12:29 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 12:27 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 12:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 12:19 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 12:12 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التبرع بالجلد معركة حضارية

GMT 12:07 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

هل تنتظر المونديال؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:52 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
المغرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib