أي مستقبل لبريطانيا واحدة في عصر «القوميات»
أخر الأخبار

أي مستقبل لبريطانيا واحدة في عصر «القوميات»؟

المغرب اليوم -

أي مستقبل لبريطانيا واحدة في عصر «القوميات»

إياد أبو شقرا
بقلم : إياد أبو شقرا

قلّة من المتابعين فوجئت بالأمس بنتائج الانتخابات المحلية في بريطانيا وآيرلندا الشمالية؛ إذ كان واضحاً من استطلاعات الرأي أن حزب العمال الحاكم يتجه نحو هزيمة موجعة... تحت قيادة انتهازية ضعيفة المبادئ، وضحلة المضمون، وعديمة الالتزام، وفاقدة لـ«الكاريزما».

هذه القيادة كانت قد استفادت في الانتخابات العامة عام 2024، التي حملتها إلى السلطة، من أخطاء الآخرين أكثر مما استحقته بناءً على منجزات. وحقاً، لدى النظر إلى نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب العمال في انتصاره الكبير ذلك العام، ونصيبه من الأصوات، نجد أنه ربح 411 مقعداً، ولكن مقابل حصوله فقط على 34 في المائة من الأصوات.

وهذا يعني زيادة ضئيلة لا تزيد على 1.6 في المائة من النسبة التي حصل عليها الحزب إبان هزيمته عام 2019. بل كانت حصة الـ34 في المائة من الأصوات الحصة المئوية الأدنى لأي حزب فائز بغالبية مطلقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، هبطت نسبة أصوات المحافظين من 44 في المائة عام 2019 إلى 20 في المائة فقط عام 2024. ورفع حزب الديمقراطيين الأحرار (الوسطي) نسبة أصواته إلى 12.2 في المائة بزيادة تبلغ 0.7 في المائة. في حين جاء «النزف» الأسوأ بالنسبة للمحافظين لمصلحة اليمين المتطرّف ممثلاً بحزب «الإصلاح»... الخارج من رحم «تيارَي» الخروج من الأسرة الأوروبية ومناوأة الهجرة والمهاجرين!

القصد، أن حزب العمال لم يربح انتخابات عام 2024 لأنه قدّم بديلاً متكاملاً يستند إلى أرضية مبدئية صلبة، بل لأنه استفاد من الفوضى والانقسامات في «رأس هرم» المحافظين من جهة، ومن ظهور قوة شعبوية شارعية - هي «الإصلاح» - أكثر تطرّفاً وعداءً للمهاجرين حتى من اليمين المحافظ.

مع هذا، وعلى الرغم من التفويض الشعبي السخي، وغير المُستحقّ، الذي حصل عليه العمال وزعيمهم رئيس الحكومة الحالي كير ستارمر، اختار الأخير تصفية حسابات قديمة داخل الحزب، بدلاً من أن ينفتح على مختلف الاتجاهات، ويخفّف من الهواجس ونزعات الانتقام.

وبالفعل، شنّ ستارمر حرباً شعواء ضد بقايا القيادة اليسارية السابقة، يدعمه التيار اليميني العمالي الذي سيطر على الحزب تحت قيادة رئيس الحكومة الأسبق توني بلير و«حليفه» السابق بيتر ماندسون، «المستشار» الأقوى والأكثر نفوذاً في فريق بلير و«اللوبيات» الداعمة له.

بالتوازي، كان وضع حزب المحافظين بعد انتخابات 2024 كارثياً؛ إذ لم تنتهِ تلك الانتخابات فقط بالهزيمة والخروج من السلطة، بل أشرعت تلك الهزيمة الأبواب لعدد من متشدّدي المحافظين كي ينسحبوا منه وينضمّوا إلى حزب «الإصلاح» المتطرف، وبين هؤلاء عدد لا بأس به من كبار الوزراء السابقين في الحكومات المحافظة خلال السنوات الأخيرة. ولعل المفارقة، أن عدداً من هؤلاء هم من أبناء وبنات المهاجرين من الأقليات العرقية والدينية... بينهم الهندوسي والمسلم والبوذية!

هذا بالنسبة للحزبين اللذين شكلاً جوهر «الثنائية الحزبية»، التي تداولت السلطة في بريطانيا منذ عام 1721. وللتذكير، بين 1721 وحتى 1924 كان طرفا تلك «الثنائية» حزبي «الهويغز» - الذي صار لاحقاً حزب «الأحرار» بعد انضمام جماعات إليه - و«التوريز»، أي حزب المحافظين. ولكن بعد 1924، قامت «الثنائية» الحالية على حزب المحافظين وحزب العمال.

من ثم، تبقى الظاهرة السياسية الأهم التي أكّدتها نتائج انتخابات الأمس هي تنامي «الاتجاه القومي» عموماً... بمضمونَيه: الوطني وشبه الاستقلالي في حالات الكيانات السياسية غير الإنجليزية (اسكوتلندا وآيرلندا وويلز). والانعزالي المناوئ للمهاجرين في حالة إنجلترا بالذات، مع أن حزب «الإصلاح» أحدث اختراقات في الكيانات غير الإنجليزية أيضاً.

غير أن هذين المضمونين متعارضان آيديولوجياً؛ إذ بينما تشكل المفاهيم اليمينية المتطرفة - عرقياً واقتصادياً - «العمود الفقري» للاتجاه الانعزالي لحزب «الإصلاح» على امتداد كيانات بريطانيا وآيرلندا الشمالية، نجد خلف «قومية» الاسكوتلنديين والويلزين والآيرلنديين مفاهيم «التحرّر» من ثقل الإرث «الاستعماري» الإنجليزي القديم.

في أي حال، يظل «الإصلاح» المنتصر الأكبر في انتخابات الأمس، يليه حزب «الخضر» البيئي... الذي بات عند كثيرين البديل الموثوق، والجاهز، للعمال في معسكر اليسار.

بالمناسبة، يتوازى تقدّم «الإصلاح»، السريع والمقلق مع صعود اليمين المتطرف والحركات العنصرية والفاشية الجديدة، من الهند إلى القارة الأميركية ومروراً بأوروبا. ولكن، لا يجوز فصل «بصمات» حقبة مارغريت ثاتشر عما يحدث اليوم. ذلك أن ثاتشر كانت آخر زعيم غربي يقاطع نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا. وهي التي خاضت «حروب إلغاء» ضد «دولة الضمانات» التي أُرسيت دعائمها في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وهي التي قادت الحرب على «الهوية الأوروبية»، وها هم «تلامذتها» وورثة سياساتها قد حقّقوا حلمها بالانفصال عن أوروبا.

في المقابل، إبان تلك الآونة كانت سياسات ثاتشر «تتكامل» مع سياسات واشنطن في عهد رونالد ريغان. غير أن «المسرح الأوروبي» يبدو اليوم أكثر تعقيداً. فيومذاك، كانت «العلاقات الخاصة» (بين واشنطن ولندن) حقيقة، لكنها لم تعد كذلك اليوم. ويومذاك، كانت ثاتشر هي الصوت الأعلى بين حلفاء واشنطن ضمن أوروبا... بينما توجد راهناً عواصم أكثر «يمينية» من لندن، منها برلين. ثم إن طبيعة «الحرب» داخل أوروبا تتأثر حالياً بعلاقات «تعايش» لافت بين واشنطن وموسكو.

شخصياً، أعتقد أن مفعول سقوط «الثنائية الحزبية» في لندن سيدوم لبعض الوقت. وأتخوّف أيضاً من أن يكون هذا السقوط مُكلفاً على صعيدَي الاستقرار الداخلي من ناحية، والوحدة الوطنية» من ناحية أخرى... وهذا، لأنني أستبعد ارتياح «قوميي» اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية لحكومة يرأسها متطرفو «الإصلاح»!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أي مستقبل لبريطانيا واحدة في عصر «القوميات» أي مستقبل لبريطانيا واحدة في عصر «القوميات»



GMT 03:38 2026 السبت ,30 أيار / مايو

امرأتان في الزعامة

GMT 03:37 2026 السبت ,30 أيار / مايو

حنه أرنت... تحليل النظام الشمولي

GMT 03:36 2026 السبت ,30 أيار / مايو

إعادة مجد بلاد الرافدين

GMT 03:35 2026 السبت ,30 أيار / مايو

بين الحرب والسلام... مأزق النظام الإيراني

GMT 03:34 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

GMT 03:27 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

GMT 03:20 2026 السبت ,30 أيار / مايو

القائمة السوداء!

GMT 03:16 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العطر.. والسياسة

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib