شاعر الأندلس لم يكن حزيناً ضاحكاً مرحاً

شاعر الأندلس لم يكن حزيناً: ضاحكاً مرحاً

المغرب اليوم -

شاعر الأندلس لم يكن حزيناً ضاحكاً مرحاً

سمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

 

«اكتشاف مذهل» ليس بالنسبة إلى الأدب العالمي، بل إلى قارئ عادي كان بين الملايين الذين أدهشتهم أعمال لوركا ونيرودا معاً. صحيح أنَّ قيمة نيرودا في آداب العالم أعظم بكثير من قيمة لوركا، لكن الأخير عَلَم من أعلام الملحمة الشعرية الإسبانية. أليس مدهشاً أن نعرف من نيرودا أنَّ صديقه الحزين كان كوميدياً ضاحكاً ممتلئاً بالفرح وعشق الحياة؟ سوف تدهشون لهذا الفصل من المذكرات.

«... كنا ذلك المساء على موعد مع لوركا. لكنَّه لم يأتِ. كان على موعد مع الموت على أيدي رجال فرانكو. لم نَرَ بعضنا مرة أخرى. كانت تلك أيضاً بداية الحرب الأهلية الإسبانية. ليلة اختفاء الشاعر.

ويا له من شاعر! لم أرَ قط في أي شخص آخر ما جمع بين الرقة والعبقرية، والقلب المجنح والشلال البلوري، كما جمع بينهما هو. كان فيديريكو غارسيا لوركا يتمتَّع ببهجة جذابة، ولدت في قلبه شغفاً بالحياة، وأشعته ككوكب. كانَ صريحاً ومضحكاً، عالمياً ومحلياً، موهوباً موسيقياً استثنائياً، وممثلاً صامتاً رائعاً، سريع الانفعال ومؤمناً بالخرافات، متألقاً ونبيلاً، كان مثالاً لإسبانيا عبر العصور، لتقاليدها الشعبية. من أصول عربية-أندلسية. أضاء وعبق مثل الياسمين مسرح إسبانيا التي، للأسف، رحلت إلى الأبد. أغرتني مهارة غارسيا لوركا الفذة في استخدام الاستعارات، وجذبتني كل كتاباته. من جانبه، كان يطلب مني أحياناً أن أقرأ له أحدث قصائدي، وفي منتصف القراءة كان يقاطعني صارخاً: توقف، توقف، أنت تؤثر عليّ!».

في المسرح وفي الصمت، في الحشد وفي المجموعة الصغيرة، كان يبدع الجمال. لم أعرف أبداً أي شخص آخر لديه مثل هذه الأيدي السحرية، ولم يكن لدي أبداً أخٌ يحب الضحك أكثر منه. كان يضحك، ويرقص، ويعزف على البيانو، ويقفز، ويبتكر، وكان متألقاً. يا له من صديق مسكين، كانت لديه كل المواهب الطبيعية، وكان صائغاً، ونحلة في خلية الشعر العظيم، لكنه كان يهدر موهبته الإبداعية أحياناً.

ذات مرة ألقيت محاضرة عن غارسيا لوركا، بعد سنوات من وفاته، وسألني أحد الحاضرين: «في قصيدتك «أودا إلى فيديريكو غارسيا لوركا»، لماذا تقول إنهم يطلون المستشفيات باللون الأزرق من أجله؟

«انظر يا صديقي»، أجبت، «طرح هذا النوع من الأسئلة على شاعر يشبه سؤال امرأة عن عمرها. الشعر ليس مادة ثابتة، بل تيار متدفق غالباً ما يهرب من بين يدي المبدع نفسه. تتكون مادته الخام من عناصر موجودة وغير موجودة في الوقت نفسه، من أشياء قائمة وغير قائمة.

على أي حال، سأحاول أن أقدم لك إجابة صادقة. بالنسبة لي، الأزرق هو أجمل الألوان. إنه يوحي بالفضاء كما يراه الإنسان، مثل قبة السماء، التي ترتفع نحو الحرية والفرح. كان وجود فيديريكو، وسحره الشخصي، يبعثان جواً من الفرح حوله. ربما تعني سطري أن حتى المستشفيات، وحتى حزن المستشفيات، يمكن أن تتحول بفعل سحر تأثيره، وتصبح فجأة مباني زرقاء جميلة».

كان فيديريكو يشعر بحدس وفاته. ذات مرة، بعد عودته من جولة مسرحية، اتصل بي ليخبرني عن حادثة غريبة. كان قد وصل مع فرقة «لا باراكا» إلى قرية نائية في قشتالة، وأقام مخيماً على أطراف البلدة. كان فيديريكو متعباً للغاية بسبب ضغوط الرحلة، ولم يستطع النوم. نهض عند الفجر وخرج للتجول بمفرده. كان الجو بارداً، ذلك البرد القارس الذي تخصصه قشتالة للمسافرين، للأجانب. انقسم الضباب إلى كتل بيضاء، مما أعطى كل شيء بُعداً شبحياً.

إلى اللقاء...

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شاعر الأندلس لم يكن حزيناً ضاحكاً مرحاً شاعر الأندلس لم يكن حزيناً ضاحكاً مرحاً



GMT 16:50 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

عن جدليّة الأخلاق ومسارات التاريخ

GMT 12:11 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تسعون عاما على «الضيف»

GMT 12:08 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

رندة أبو العزم.. سيدة الشاشة الإخبارية

GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 08:13 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 17:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض
المغرب اليوم - تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 20:33 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 12:22 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

رئيس برشلونة يُبرِّئ "ريال مدريد" من تشويه الـ"VAR"

GMT 00:30 2024 الخميس ,01 شباط / فبراير

تراجع أسعار النفط مع تعثر الاقتصاد الصيني

GMT 11:41 2019 الثلاثاء ,12 آذار/ مارس

الشمبانزي "يختصر كلامه لـ2000 إيمائة تشبه البشر

GMT 17:35 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أرخص 5 سيارات في مصر خلال عام 2018

GMT 20:18 2016 الثلاثاء ,13 أيلول / سبتمبر

وصفات من الطب البديل لعلاج الإمساك المزمن

GMT 16:05 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مقاييس التساقطات المطرية المسجلة بالمملكة المغربية

GMT 07:34 2021 السبت ,10 تموز / يوليو

سيارة صينية أنيقة واقتصادية تكتسح الأسواق

GMT 15:48 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أول تعليق لهدى سعد بعد تداول خبر طلاقها

GMT 16:31 2020 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

مفاوضات مع أمير كرارة لبطولة مسلسل من 8 حلقات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib