بقلم - طارق الشناوي
يظل فيلم الافتتاح فى كل المهرجانات مؤشرًا لا يمكن إنكاره، يمنح الحالة السينمائية ألقًا أو يخصم منها بنفس المقدار ألقًا، شرط فيلم الافتتاح أن ينطبق عليه توصيف «براعة الاستهلال»، وعلى أرض الواقع لم يكن الاستهلال أبدًا بارعًا.
الفيلم عنوانه مباشر جدًا مفتقدًا الإيحاء «لا رجال صالحون» للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، الدورة رقم 76 افتتحت رسميًا مساء أمس، أتيح لى مع كل من يعمل فى «الميديا» مشاهدة الفيلم قبلها بأربع وعشرين ساعة.
أتحدث هنا عن الفن بمعناه الجمالى الذى لا يمكن فصله عن الحالة الفكرية أو السياسية التى من المؤكد تؤثر بنسبة ما فى ترجيح كفة الاختيار؛ الكبت الاجتماعى والسياسى والعرقى والدينى و«الجينى» والنوعى.. قضايا إنسانية يعانى ويكتوى بنيرانها العالم، مع اختلاف الدرجة بالطبع، وتوفر قسط كبير منها فى فيلم المخرجة شهربانو، تعتبر عوامل قوة، إلا أن الشريط لا تتوفر فيه حالة إبداعية موازية، فهو يقدم سينما أفغانية نادرة الحضور فى المهرجانات، مدعمة بقوة اقتصادية ألمانية من خلال شراكة إنتاجية، كما أنه يناصر المرأة ويفضح القهر بكل أطيافه. الدعم الألمانى ساهم فى الدفع بهذا المشروع حتى وصل لصدارة افتتاح واحد من أهم مهرجانات الدنيا.. إلا أنه يقدم لغة سينمائية تحبو على الأرض، من فرط مباشرتها، أعتقد أن حالة الصمت التى قوبل بها الفيلم بعد عرضه الأول بالمهرجان للصحفيين، تكفى للدلالة، لم نستمع أو على الأقل وحتى أكون منصفًا فى دار العرض التى شاهدت فيها الفيلم وهى واحدة من 6 دور تعرض الشريط فى نفس التوقيت، لم أستمع إلى همهمات الاستهجان التى تعلو فى عدد من المهرجانات، ولكن وبنفس الدرجة لم يتسلل إلى أذنى أى إحساس إيجابى بالشريط، الذى توفرت فيه كل الشروط الموضوعية، ولكنه افتقد الشرط الأول، وهو الإبداع الجمالى والمقصود به قطعًا اللغة السينمائية.
مهرجان «برلين» يقدم فيلم الافتتاح قبل نحو 24 ساعة من العرض الرسمى الذى تنقله «الميديا» للعالم، يمنح الإعلام حرية التعبير عن الفيلم حتى لو جاء سلبيًا، وبينما مثلاً مهرجان «كان» مع انتشار «الميديا» وبسبب حالة الخوف من إحباط النجوم وصناع الأفلام، فهو لا يمكن أن يطلب من المتابعين بأقلامهم أو كاميراتهم تقديم وجه إيجابى، ولكن يملك فقط أن يرجئ العروض الصحفية أربع وعشرين ساعة، حتى تتواكب مع العرض العالمى الذى يحضره صناع الفيلم وكل ضيوف المهرجان من النجوم والشركات الكبرى المؤثرة.
مهرجان «برلين» يمزق تمامًا تلك الورقة التى يتم ترويجها مسبقًا عن تصدير انطباعٍ ما، ربما ليس فى صالح المهرجان بوجه عام أو حتى لفيلم ما، لو سبقت آراء «الميديا» عرضه الرسمى الأول، كما أنها من الممكن أن يمتد مفعولها إلى صناع العمل الفنى وهم على السجادة الحمراء وتبدو وجوههم أمام عدسات الكاميرا مهزومة ومكفهّرة.
أراها حساسية مفرطة من مهرجان «كان»، يقابلها واقعية مفرطة من مهرجان «برلين»، فى التعامل مع «الميديا»، وحقها المطلق ليس فى إعلان الرأى، فهو ليس منحة من أحد ولا يستطيع أحد انتزاعه، ولا حتى المطالبة بتهذيبه مثلاً، ولكن الهدف الذى دفع مهرجانًا كبيرًا إلى إعلانه وتطبيقه ومهرجانًا آخر كبيرًا وعلى نفس الدرجة من المكانة الأدبية إلى التغاضى عنه هو القدرة على القراءة الصحيحة لمفردات الزمن الآن وغدًا. مهرجان «برلين» تعامل بواقعية أكثر مع «الميديا» فى هذا الزمن.
ويبقى السؤال عن موقع الجمهور فى تلك المعادلة، لا يزال الجمهور فى العالم كله لديه هوس بالنجوم والاقتراب منهم، ولو تصورنا جدلاً أن العالم قد حطم تلك الصور الذهنية المتداولة فى الضمير الجمعى عن النجوم باعتبارهم كائنات استثنائية تتجاوز الحالة البشرية التى استطاع الإعلام الرقمى نفيها تمامًا، إلا أن النجوم لا يزالون قادرين على الجذب وحتى الآن، لم يفقدوا السحر، الذى هو فى جزء كبير منه يمنح السينما خصوصيتها وتفردها.
كما أن المهرجانات تضع فى أول شروطها منح الجمهور الأسبقية فى التعاطى مع الأفلام، وهم غالبًا من أهل المدينة، فإن مهرجانًا مثل «برلين» فى علاقته بالجمهور المستهدف يسعى لتقديم تذاكر أرخص ثمنًا وأيضًا متباينة فى السعر. أفلام المسابقة أغلى من التظاهرات الأخرى الموازية، كل ذلك من أجل تحقيق هدف هام وحيوى، وهو الذى يمنح المهرجان _أى مهرجان _حقه فى الوجود.. وأعنى به شباك التذاكر، الذى لا يشير فقط إلى تحقيق قوة اقتصادية، الوجه الآخر والمباشر للرقم أن الفيلم والمهرجان على خط ساخن معًا، وهو قطعًا ما أصبحنا نفتقده فى المهرجانات المصرية!!.