المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

المغرب اليوم -

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

نديم قطيش
بقلم - نديم قطيش

تمتدّ على واجهة بيروت البحريّة بضعة كيلومترات مربّعة هي بين الأغلى في الشرق الأوسط. أراد الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي رهن حياته وإرثه للنهوض بلبنان، أن يكون وسط المدينة دليلاً حيّاً وعمليّاً على أطروحة سياسيّة واجتماعيّة و”أيديولوجيّة” تتجاوز إعادة الإعمار. فرض الرئيس الشهيد على نفسه وعلى البلد تحدّي القفز بدولة متوسّطية صغيرة، حطّمتها خمس عشرة سنة من الحرب الأهليّة وحروب الآخرين، إلى قلب الاقتصاد العالميّ عبر ممارسة ما برع لبنان فيه دوماً: الربط بين الشرق والغرب، تحويل الجغرافيا إلى رأس مال، وجعل بيروت رقماً لا يمكن تجاوزه.

لا شيء في هذه الكيلومترات المربّعة اليوم يشبه ما أراده الحريري. “شانزليزيه” بيروت باتت مكاناً يلتقي فيه المنكوبون بالحنين ومصداقاً على ما كان يمكن أن يكوّنه البلد لو أتيح لهذه التجربة أن تستمرّ.

أراد الحريري أن يُعاد بناء لبنان كمركز خدمات مصرفيّة وعقاريّة وسياحيّة، ترانزيت، تعليم، وصحّة. كان من المقرَّر أن يصبح مطار بيروت بوّابة إقليميّة، وأن يُحدَّث المرفأ، وتُرمَّم شبكات الاتّصالات والطرق والكهرباء، لا لتعود إلى معايير ما قبل الحرب، بل لتجعل لبنان شريكاً في مسيرة النهوض الخليجيّ في المنطقة الذي كان تتهيّأ فيه مدن ناشئة مثل دبي لأن تكون مراكز ربط عالميّة.
ما بين مشروع الحريري ومشروع ما يُسمّى “المقاومة” يتجاوز الخلاف السياسيّ، إلى التصادم الحضاريّ بين رهانين

إزالة البديل المتماسك

دبي، بهذا المعنى، هما صورة مستقبل لبنان المسروق. فاستراتيجية الحريري كانت تراهن على الربط كميزة تنافسيّة للبنان، والعقار كمحرّك اقتصاديّ، والخدمات الماليّة كعمود فقريّ، والقوّة الناعمة، أي الثقافة والمطبخ والمناخ والطبيعة والانفتاح الاجتماعيّ، كعلامة تجاريّة.

إنّ ما بين مشروع الحريري ومشروع ما يُسمّى “المقاومة” يتجاوز الخلاف السياسيّ، إلى التصادم الحضاريّ بين رهانين. على الضدّ من الحريري، راهن المحور على أنّ القوّة تُستولَد من السلاح، والنقاء الأيديولوجيّ، والاستعداد للتضحية بالتنمية الاقتصاديّة من أجل التموضع الاستراتيجيّ ضدّ إسرائيل. لذلك كان الاغتيال. لم يقتلوا خصماً سياسيّاً فحسب، بل أزالوا البديل المتماسك الوحيد لنموذجهم الذي كان يتهيّأ بعد سقوط العراق 2003 لأن يتوسّع في المنطقة.

لعقدين من الزمن، بدا للقتلة أنّهم كسبوا الحجّة، بإلغاء الشخص الذي طرح الحجّة المقابلة. ثمّ انهار الهيكل.

بعد واحد وعشرين عاماً على ذلك الانفجار، انهارت كلّ ركيزة من ركائز المشروع الذي اغتال رفيق الحريري. بشّار الأسد، الذي أدار نظامه ونظام أبيه لبنان كإقطاعيّة ريفيّة، يذوي في صقيع المنفى الروسيّ. قيادة “الحزب” لم تعُد موجودة، وترسانته دُمّرت، وخطوط إمداده من طهران قُطعت بسقوط ممرّه السوريّ. حسن نصرالله، الرجل الذي قضى عقدين ينكر أيّ دور في الاغتيال بينما أُدين رجاله بتنفيذه، قُتل هو الآخر في غارة جوّيّة إسرائيليّة في أيلول 2024. وإيران التي فيها من “أفتى” ولا بدّ بالضغط على زرّ التفجير، تعاني انحساراً لنفوذها وانكساراً لهيبتها على نحو غير مسبوق منذ عام 1979.

بيد أن هذه الخسارة “عندهم”، لم تترجم ربحاً “عندنا”. ربح “إرث الحريري” السجال مع المشروع المضادّ، لكن ليس في لبنان اليوم من هو قادر على تسلّم جائزة النصر. رحل قتلته، لكنّ مشروعه رحل أيضاً. ولعلّها من المفارقات العجيبة، أنّ البلاد التي حاول إنقاذها، ربحت طوال واحد وعشرين عاماً معظم المعارك السياسيّة التي يمكن الفوز بها، لكنّها تبدو الآن كمن خسر كلّ شيء.

هنا تكمن المأساة الأعمق للاغتيال الأشرس في تاريخ لبنان السياسيّ. فحركة 14 آذار، المولودة من رحم الاحتجاج على الاغتيال، حقّقت هدفها التكتيكيّ بإجبار سوريا على الانسحاب، ثمّ شرعت في التلاشي من دون أن تتحوّل يوماً إلى “مشروع حكم”. ثمّ جاءت ثورة 17 تشرين الأوّل 2019، لتختصر السياسة إلى مجرّد غضب شعبيّ جارف يُتقن الإعلان عمّا لا يريده من دون أيّ قدرات حقيقيّة لتصوّر بديل والشروع في بنائه.

لبنان “المنتصر” على من أرادوا قتله بلا مشروع وطنيّ منذ واحد وعشرين عاماً. ليس بلا سياسة، فالسياسة كانت صاخبة، وليس بلا أحداث، فالأحداث كانت كارثيّة. بل بلا “مشروع” لمعنى ودور وشكل البلد. لماهيّة لبنان، وكيفيّة توليد الثروة، وموقعه في المنطقة، والعقد الاجتماعيّ الذي يربط طوائفه. كانت إعادة الإعمار التي قادها الحريري هي آخر المشاريع من هذا النوع، وكلّ ما جاء بعدها كان “فترة انتقال” مديدة ومستمرّة.
ليس من باب المبالغة أنّ الشرق الأوسط في 2026 هو، في خطوطه العريضة، الشرق الأوسط الذي كان رفيق الحريري يحاول المساهمة في بنائه

استعادة ما سُلب؟

تغيّر الكثير منذ الاغتيال. فالمملكة السعوديّة التي احتضنت رفيق الحريري واستثمرت في رؤيته كنموذج للنهوض، لم تعُد هي المملكة السعوديّة الراهنة. انتقلت المملكة الى مشروع بناء الذات وفق منطق تنافسيّ لا مكان فيه للعروض الجانبيّة. وإيران، التي قُتل الرجل في أوج استنفارها الأيديولوجيّ الثوريّ، تجد نفسها اليوم في مخاض مختلف، تواجه ارتدادات تمدّدها وتحوّلات داخليّة تعيد تعريف دورها ومصيرها. أمّا سوريا، التي عرفها لبنان منذ السبعينيّات كقدرٍ جاثم، فقد انمحت ملامحها القديمة لتظهر سوريا أحمد الشرع كواقع جديد يقطع مع إرث البعث وأدواته ويعيد تعريف المستقبل عبر طرق متعرّجة وصعبة. وحتّى إسرائيل بعد أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم تعد هي إسرائيل التسعينيّات التي كانت تفاوض أو تحارب ضمن قواعد اشتباك كلاسيكيّة، تماماً كما أنّ فلسطين، بقواها ومشروعها الوطنيّ، لم تعُد هي فلسطين التي كانت حاضرة في وجدان المرحلة الحريريّة.

إذا كان سؤال لبنان ما بعد رفيق الحريري صعباً بحدّ ذاته، فإنّ السؤال أكثر صعوبة بما لا يقاس في ظلّ عمليّة إعادة التكوين الإقليميّة الجارية، بكلّ تعقيداتها ومشاكلها.

بشكل أو بآخر فهم الحريري أنّ هذا الاستحقاق آتٍ لا ريب فيه. كان مساره السياسيّ بأكمله محاولة لبناء المشروع اللبنانيّ البديل قبل سقوط النظام القديم في المنطقة، تحديداً منذ حرب العراق. حاول خلق وقائع اقتصاديّة تجعل نموذج “المقاومة” متجاوَزاً زمنيّاً، من دون الاصطدام بها.

ليس من باب المبالغة أنّ الشرق الأوسط في 2026 هو، في خطوطه العريضة، الشرق الأوسط الذي كان رفيق الحريري يحاول المساهمة في بنائه. أولويّة الاقتصاد على الأيديولوجية، وأولويّة الربط العالميّ على مشاريع الهويّات الضيّقة. هذا هو “عالم الحريري”، يتقدّم في المنطقة، إلّا أنّ لبنان ليس جزءاً منه.

في ذكراه هذا العام، ثمّة نزوع للحديث عن شاعريّة العدالة التاريخيّة. النظام الذي قتل رفيق الحريري قد قُتل هو نفسه. لكنّ العدالة ليست مجرّد سقوط المذنب. العدالة هي استعادة ما سُلب، وما سُلب من لبنان في 14 شباط 2005 لم يُستردّ بعد، لأنّ لبنان لم يبنِ بديلاً لما دمّروه.

السؤال اليوم ليس ما إذا كان الحريري على حقّ، فقد أجاب التاريخ على ذلك. السؤال هو ما إذا كان لبنان يستطيع فعل ما لم يفعله قطّ، أي ترجمة فكرة صائبة إلى دولة فاعلة. الرجل الذي أراد وصل لبنان بالمستقبل قتله أولئك الذين أرادوا إبقاءه في الماضي.

المستقبل وصل على كلّ حال، وعلى لبنان أن يقرّر ما إن كان سينضمّ إليه أم لا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد



GMT 12:11 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تسعون عاما على «الضيف»

GMT 12:08 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

رندة أبو العزم.. سيدة الشاشة الإخبارية

GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح

GMT 09:15 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

حيل بسيطة لجعل ظلال العيون يدوم لساعات طويلة

GMT 05:39 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

مجموعة من النصائح لتجعل غرفة نومك مشرقة

GMT 15:59 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الفانيلا وعرق السوس أهم مكونات Le Parfum de Lolita Lempicka

GMT 14:38 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إدريس لكحل ونزهة غضفة يسبقان فوزي لقجع إلى موسكو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib