وقفتُ أتطلع إلى المعروض عند بائعة الصحف، فوقعت عيناي على نسخة من عدد قديم من مجلة «العربي» الكويتية، التي نشأت عليها أجيال منذ صدورها في 1958.
وتذكرتُ كيف أنها تُباع في السوق المصرية بجنيه وربع الجنيه، أي إن ثمن النسخة أقل من ربع ثمن النسخة من الصحيفة اليومية. ومن قبل كان سعر النسخة من المجلة الشهيرة أقل من ذلك، وكان المعنى أن الحكومة في الكويت كانت تدعم كل نسخة بالكثير، وكان الهدف أن تصل المجلة إلى كل يد في أرض العرب.
كان الشعار الذي يتصدر صفحات «العربي» يقول الآتي ولا يزال: مجلة شهرية ثقافية مصورة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب. ولم يكن من الممكن أن يجد شعارها رصيده بين القراء، إلا بوجود أسماء ذات وزن على رأسها، بدءاً من الدكتور أحمد زكي، والأستاذ أحمد بهاء الدين، ومروراً بالدكتور محمد الرميحي، والدكتور سليمان العسكري، ثم انتهاءً بالدكتور عادل العبد الجادر، وأخيراً الأستاذ إبراهيم المليفي رئيس تحريرها الحالي.
لم يكن من الممكن أن يقرأها كل العرب، إلا إذا تلقت دعماً ينزل بسعر النسخة إلى متناول كل يد، وكل قارئ، ولا كان من الممكن أن يقرأها كل العرب، إلا إذا توفرت لها إرادة كويتية رأت أن للكويت دوراً ثقافياً في محيطها العربي لا بد أن تؤديه، وأن تكون المجلة وجهاً من وجوه ذلك الدور متعدد الوجوه.
أتذكر سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية التي مثلت الأساس في مكتبات بكاملها لدى القراء العرب، وأتذكر مجلة «عالم الفكر» التي لم تكن تتوقف عن الإبحار في المياه الفكرية العميقة، وأتذكر سلسلة «المسرح العالمي» التي كانت تنقل آيات المسرح في العالم إلى القارئ العربي، وأتذكر غيرها من نوعها الكثير، فأذكر كَمْ قدمت الكويت للعرب من خدمات ثقافية كبيرة على مستوى واسع.
أتذكر هذا الوجه الثقافي المضيء، ثم أتذكر معه وجهاً آخر على المستوى الإنساني اشتهرت به البلاد أيام الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد يرحمه الله. فلم يكن العالم يشهد أزمة إنسانية في أي مكان، إلا وكنت تجد الكويت حاضرة في القلب منها تساعد وتسعف، ولم تكن تفرق بين الذين طالتهم الأزمة على أساس لغة، أو دين، أو جنس، وإنما كانت تتطلع إلى الإنسان من حيث هو إنسان وكفى، ولم يكن غريباً أن يشتهر أميرها الأسبق الشيخ صباح بأنه «أمير الإنسانية» فيحمل هذا اللقب في سنواته الأخيرة، ولا كان غريباً أن يتلقى تكريماً من أمين عام الأمم المتحدة في مقرها في نيويورك على الدور واللقب.
وعندما جاء الشيخ نواف الأحمد أميراً في ما بعد، ثم الشيخ مشعل الأحمد أميرها الحالي، فإن مسار العمل الإنساني راح يتواصل رغم كل الظروف.
وإلى جوار الوجه الثقافي، والإنساني، كان هناك وجه سياسي بارز، وكان هذا الوجه يتجلى مرة على المستوى العربي المتضامن مع قضايا الأمة، ثم مرة أخرى على المستوى الخاص بالتطبيع مع إسرائيل، فكان موقف الحكومة الدائم والمعلن هو كالتالي: نحن آخر مَنْ سوف يُطبّع، وأن الكويت سوف تتابع طريق العرب والفلسطينيين جميعاً، وأنهم إذا ارتضوا طريقاً في قضية العلاقة مع إسرائيل ثم مضوا فيه، فسوف تتبعهم هي، وسوف ترتضي ما يرتضون، وسوف تكون كَمَنْ يوقّع على ورقة وقّع عليها كل العرب.
وبناء على الحديث النبوي الشريف الذي يقول: مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يكن فبلسانه، فإن لم يكن فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. ولا بد أن الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها الكويت بالطائرات المُسيرة والصواريخ من جانب إيران، هي من قبيل هذا المنكر المشار إليه في الحديث الشريف. يجب أن تتلقى الكويت الدعم والمساندة، على مستوى الحكومات والشعوب والأفراد في أرض العرب. فالحكومات العربية تستطيع أن تساند الكويت ضد العدوان فتكون كمن يغير المنكر باليد، وتستطيع من خلال إعلامها أن تساند فتكون كمن يغير المنكر باللسان، أما الشعوب أو الأفراد ففي مقدورها أن تتعاطف مع الكويت، فتكون كمن يغير المنكر بقلبه، لأنه لا يستطيع تغييره بيده ولا بلسانه.
الكويت تجد نفسها مدعوة يوماً بعد يوم إلى صد هجمات الصواريخ والمسيرات عليها، وهي التي لم تحمل شراً في أي يوم تجاه الإيرانيين، ولا فكرت في إلحاق أي أذى بإيراني، ولكن حكم الجوار الذي قضت به الجغرافيا يجعل جوارها مع إيران من نوع أحكام القَدَر التي لا راد لها. ومع إقرارها بذلك، فإنها كانت ولا تزال تدعو حكومة المرشد في طهران إلى أن تكون مبادئ حُسن هذا الجوار مرعية على الشاطئ الإيراني من الخليج، بقدر ما هي مرعية على الشاطئ الكويتي في المقابل.
تبذل كل حكومة عربية ما تستطيعه تجاه الكويت من عون ومساعدة، وإذا لم يكن المواطن العربي الذي نشأ على مجلة «العربي» منذ صدورها، قادراً على أن يقدم ما تقدمه الحكومات، فليس أقل من إظهار التعاطف الذي هو أضعف الإيمان.