العصر الحجري
أخر الأخبار

العصر الحجري!

المغرب اليوم -

العصر الحجري

بقلم: عبد المنعم سعيد

قبل أسبوع وفي حديثه إلى الأمة الأميركية أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يتوعد إيران أنها ما لم تكن مستعدة للاستجابة الإيجابية لمطالبه، فإنه خلال أسبوعين أو ثلاثة سوف يعيدها إلى «العصر الحجري»، أول العصور الذي وجد فيه الإنسان القدرة على بناء الحضارة من الأحجار. التعبير على كل الأحوال لم يحفر على الحجارة أو يرسم في أحد الكهوف التي عاش فيها البشر؛ ولكنه صار واحداً من التعبيرات الإنسانية التي تذكر أثناء الحروب للتهديد والوعيد، وعندما تذكر فإن الذكرى تحل على «درسدن» و«طوكيو» و«هيروشيما وناكازاكي» أثناء الحرب العالمية الثانية. مدينة غزة الآن مع «حرب غزة الخامسة» باتت مثالاً وهو على الأرجح ما يدور في أذهان الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. التعبير يذيع عند الإشارة إلى القسوة إلى جانب تعبيرات أخرى مثل أن الحقيقة هي أولى الضحايا عندما تنشب الحرب؛ أو عندما يبدأ العمل العسكري فإن السياسة تتراجع؛ وبالطبع فإن الحرب أمر من الخطورة لأنه لا ينبغي أن تترك للجنرالات. كل هذه الأقوال ربما تضفي بعضاً من الحكمة عند الحديث عن الحرب؛ أو أنها تصير نوعاً من المفاتيح التي تدلف إلى النقاش عندما تكون معبرة عن عملية هدفها القتل والتدمير. الحرب الجارية -وهي حرب الخليج الرابعة- لا تخلو من هذه المقولات وربما نضيف لها مقولات أخرى ذات طبائع فريدة.

المؤرخون سوف يقفون كثيراً أمام شخصية الرئيس ترمب الذي منذ توليه السلطة قبل أكثر من عام قد تفوق على نفسه في ولايته الأولى (2017-2021) من حيث الغرابة والذاتية الشديدة، والحقيقة أنه يفرض نفسه على الكتّاب والباحثين بحيث نستعيد الأهمية النسبية للفرد في مسيرة التاريخ، وهي التي أزاحها كثرة من الفلاسفة والمؤرخين لكي يقدموا عليها «توازن القوى الدولي» أو «صراع الطبقات الاجتماعية» أو «صراع القوميات» على الامتداد الجغرافي والثروات الطبيعية والمستعمرات. ترمب يستعيد الأهمية المركزية للفرد في التاريخ؛ فما كان شائعاً لدى الدارسين للولايات المتحدة أنها «دولة مؤسسات» لا تترك مساحة للقادة الأفراد لتحويل المسار. «المؤسسات» هنا تقوم بدور حاسم في ضبط الأمور، وخصوصاً تلك المتعلقة باستخدام السلاح: الحرب. وأثناء فترة ترمب الأولى فإنه رغم امتلاكه لكثير من الظواهر الفردية التي نشاهدها اليوم، فإن الحزب الجمهوري وقتها كان هو الذي قدم الطاقم الخاص بمؤسسة الرئاسة الأميركية، وخصوصاً فيما يتعلق بالأمن القومي، وكانت كثرتهم ممن عملوا في مؤسسات الدولة الأميركية. الولاية الثانية لترمب قامت على استبعاد كل هؤلاء وإحضار جماعة «المؤمنين» بترمب كشخص وفرد له دور تاريخي في بناء الدولة الأميركية بكل مقوماته. «الموالاة» باتت هي القاعدة في إدارة البيت الأبيض بما في ذلك الحرب الجارية في الشرق الأوسط.

حرب إيران لا تشهد تلك الحالة «الترمبية» وحدها، وإنما تشهد صداماً كبيراً مع الحالة «الكربلائية» للدولة الإيرانية. استخلاصاً من ذلك لا يكون إلا وجود استراتيجية قائمة على المواجهة واستنزاف الخصم في الحرب، وهي ليست بعيدة عن الحالة الفيتنامية والأفغانية في مواجهة الولايات المتحدة، واستغرقت في الأولى ست سنوات، وفي الثانية عشرين عاماً من النزيف الذي انتهى بمشاهد مأساوية.

مع هذه المواجهة التي بين ترمب وإيران فإن نهاية الحرب تظل بعيدة ولا يكفيها التهديد باستدعاء العصر الحجري إلى ساحة الصدام ولا حتى حضور كربلاء مرة أخرى بعد أكثر من ألف عام من أجل استعجال التوصل إلى نهاية. الواقع أن الحرب كانت «اختيارية» لإيران عندما اختارت أن تقيم الميليشيات بين دول المنطقة لكي تهدم دولاً معاصرة، وتحميها الصواريخ والبرنامج النووي؛ كما كانت اختيارية لترمب لكي يفعل ما كان ينكره دائماً عن «الحروب الأبدية» والغرق في الرمال الناعمة للشرق الأوسط. لم يعد في هذا الحديث بقية لأن المواجهة لم تنتهِ بعد، وليس مؤكداً ما سوف يحدث بعد الآن والعصر الحجري!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العصر الحجري العصر الحجري



GMT 03:38 2026 السبت ,30 أيار / مايو

امرأتان في الزعامة

GMT 03:37 2026 السبت ,30 أيار / مايو

حنه أرنت... تحليل النظام الشمولي

GMT 03:36 2026 السبت ,30 أيار / مايو

إعادة مجد بلاد الرافدين

GMT 03:35 2026 السبت ,30 أيار / مايو

بين الحرب والسلام... مأزق النظام الإيراني

GMT 03:34 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

GMT 03:27 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

GMT 03:20 2026 السبت ,30 أيار / مايو

القائمة السوداء!

GMT 03:16 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العطر.. والسياسة

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib